الحب في زمن الكورونا / قصة قصيرة / محرر صحيفة فنون الثقافية / حيدر الحاتم / العراق
- 11 أبريل 2020
- 3 دقيقة قراءة
الحب في زمن الكورونا
لم يقتلها كورونا قتلها العقوق
: حيدر الحاتم
نهضت من سريرها وعدلت فراشها وأتجهت الئ الحمام لتغسل يديها ووجهها بالصابون وترتدي الكمامة والكفوف وهي تردد الحمد لله وهو المشافي جلست لتناول وجبة الإفطار البسيطة التي تجهزها لهم إدارة المستشفى وضعت اللقمة الأولى ثم الثانية وأرتشفت قليلا من الشاي سمعت طرق أقدام أحدئ الممرضات قادمة باتجاهها والبسمة تعلو محياها
_حاجه أم خالد.. حاجه أم خالد.. الدكتور يطلبك في غرفته.
لم تكمل الحاجة أم خالد وجبتها وإنما أتجهت مباشرة نحو غرفة الدكتور لتعرف وضعها وحالتها الصحية... طرقت الباب وجلست أمام مكتب الدكتور بكل أصغاء وكأنها طفل صغير ينتظر الإرشاد والتعليم من أستاذه
_يا أم خالد عندي خبر مفرح لك ستسعدي... أم خالد أنت الآن لست مصابة بالوباء فقد تشافيت وبأستطاعتك أن تغادري المستشفى هذا اليوم فقد وقعت علئ أذونات خروجك.. أنت الآن لست مصابة بالكورونا
تسارعت دقات قلبها وكأنها إيقاع طبول زنجية أنفرجت أساريرها وتهلل وجهها توسعت حدقات عينيها ولمعت كأنها زمردة في قلادة هيفاء، كانت هذه الكلمات تمثل هبة من السماء لهذه المرأة فقد كانت تنتظر الموت أو البقاء فترة طويلة بالمستشفى فمنذ سبعة عشر يوما هي هنا بمستشفى العزل للمصابين كونها أصيبت بهذا الفايروس عندما قامت بزيارة جارتها أم سوزان القادمة من إيطاليا،والان يقول لها الأطباء بأنها قد تشافت، لم تقل شيئا عادت الئ غرفتها وهي تمنى النفس بأحتضان أولادها ها هي عادت معافاة بلا مرض بأستطاعتها معانقة أولادها سمير وعمر وميرفت وستقبل هيفاء حفيدتها الصغيرة ولن تتخوف من أي مرض سينتقل بالعدوى للأطفال لأن هذه الكلمات مازالت بذهنها عندما قالت رنا زوجة ولدها البكر خالد
_لاتسمح لوالدتك بالاقتراب من أولادي امك امرأة كبيرة وقد تنقل الأمراض لأولادي
هذا الكلام الفظ كان قبل سنة أي قبل نزول الجائحة وكررتها عندما أرتفعت حرارة الأم وتم الإتصال بالمستشفى وهم بدورهم أخذوا أم خالد لمستشفى العزل كونها مشكوك بإصابتها. والآن تشافت تماما من كورونا ولم يبق إلا مشاكل القلب وهذه لاتنتشر بالعدوى، كم تتشوق لأخذ رأس إبنها البكر خالد وتضعه بحجرها وتمسد شعره تذكرت كيف كانت لاتسعها الدنيا عندما أخبروها انها حامل هذا قبل سبع وأربعون عاما.. لم تفارق أم خالد تلك الصور القديمة المفرحة والمحزنة معا فها هي تعود لبيتها لتنام هانئة بسريرها محاطة باولادها وأحفادها.
أنقضت خمس ساعات ولم يحضر أيا من أولادها جاءها الدكتور وقال لها
_ تناولي غداءك ياحاجة.. لكنها أبلغته بأنها تريد تناول الغداء مع عائلتها
أحست الحاجة ام خالد بأن مكروها قد حصل لأولادها وإلا فكيف لايحضروا إليها بالرغم من أن وقت الوصول لايتجاوز الساعة فقط من دارها الئ المستشفى .. ما أقسى الأولاد لماذا يتأخرون هكذا أم تراهم لم يعلموا أم حصل مكروه لأحد الأحفاد
طلبت مرات ومرات من الممرضات الإتصال بأولادها بلا فائدة ولكنها كانت ترئ باعين الأطباء والممرضات كلاما مكبوتا وغصة مخنوقة لم تعلم كنهها إلا عندما دخلت غرفة الممرضات وسمعتهن يتحدثن عن الأولاد العاقين الذين رفضوا إستلام والدتهم وعدم رغبتهم بأخذها من المستشفى عندها عرفت أن هذا الحديث عن أولادها لكنها لم تصدق ذلك وخرجت تجرجر أرجلها بثقل وقلبها يكاد يخرج من أضلاعها هلعا و وكمدا وحسرة وألما لم تعهده من قبل أبدا
تغلبت علئ ضعفها وطلبت من أحدئ الممرضات هاتفها وطالبتها برجاء الأتصال بولدها خالد ثم سمير وعمر وميرفت وصعقتها الإجابة عندما جاءها الجواب الصواعق
لا تتصلوا بنا لانريد عودة والدتنا للدار لانصدق أنها تشافت من الوباء الكورونا ولدينا أولادنا وحياتنا ونخاف من العدوى أبقوها عندكم هي إمرأة كبيرة عمرها سبعون عاما أبقوها عندكم وحتى إن ماتت لن نأتي لأستلام جثتها نحن نخاف ولن نأتي أبدا
سقط الهاتف من يدها وأنهارت الحاجة أم خالد على الأرض.. تسارع الخوف ودقات القلب وتشنجت أصابعها وأصفر لونها عندها نادت الممرضة علئ الأطباء والكوادر الصحية المعينة نقلوا الحاجة إلى غرفة العناية المركزة وضعوا جهاز الأوكسجين لها لكن النبض تناقص بشكل سريع جرب الأطباء معها كل الوسائل وبلا جدوئ فقد أصيبت بالذبحة القلبية أرخت عيونها وأسلمت نفسها للموت بلا مقاومة فما الفائدة من حياة لا يشاركك فيها الأهل وكيف للأولاد الذين أنجبتهم وجعتلهم بهذه المكانة الإجتماعية يتركوها هكذا تصارع الموت وحدها لقد كانت منذ سبعة عشر يوما تقاوم الوباء ولم تستسلم وقد نجحت وتعافت والآن الآن أنهارت كل سدودها أمام طوفان الموت _فلا فائدة بالعيش وأولادي قلوبهم حجر قاس
رددت أم خالد بسرها لا إله إلا الله محمد رسول الله وكأنها تدخل المروج الخضراء لتلتحق بزوجها أبا خالد وتشاهد النور الكبير ثم... أختفت الأضواء
. صاح الدكتور فريد لقد فقدانها.. لقد فقدناها.. عليها رحمة الله.
حيدر الحاتم العراق البصرة
10/4/3030





تعليقات