top of page

المسرح المشوَّه والصورة المطلوبة .. الكاتب المسرحي د.عباس الجبوري/ العراق ,,,,,,,

  • 12 يونيو 2020
  • 6 دقيقة قراءة

شهدت الساحة الفنية منذالتسعينات حركة جديدة للمسرح الذي سمي بالمسرح التجاري الذي تحول الى ظاهرة المسرح" الاستهلاكي" وهو أردأ أنواع المسرح التجاري، شأنه شأن أيّ اتجار بالبضاعة الرديئة. وعادةً ما يسوّقه نوع من المنتجين التجار المشتغلون فيه باسم “المسرح الكوميدي” و”المسرح اليومي” وأُطلق عليه تجاوزاً ”المسرح الجماهيري”، تسويغاً لهدف جني المال أولاً وأخيراً.. والذي يعد انتقاصاً من المسرح الهادف ،نعته الرافضون له بنعوت عديدة، منها “المسرح المبتذل”، “المسرح الهابط”، “المسرح الهزيل”، “المسرح التهريجي”، “مسرح الإسفاف”. وهو مسرح يقوم على نص يفتقر إلى أبسط مقومات الدراما، وإخراج كسيح، وأداء سطحي يتعكّز على الإضحاك وإهانة الأنثى والتسويق المفتعل، والتنكيت الفج، والألفاظ السوقية، والعبارات النابية، والتهكم الذي ينطوي، أحياناً، على إساءة، ونزعة مما يدخل في باب “خطاب الكراهية”، مثل التهكم من أفراد أو فئات اجتماعية أو إثنيات معينة (ممثلين من قصار القامة، أو الناس البسطاء… إلخ). وأحياناً يجري إقحام أشكال من الرقص الماجن والغناء الغجري في بعض العروض لجذب الشبّان والجمهور الساذج، فاقد الرؤيا للمسرحالحقيقي بوصفهم مستهلكين مضمونين. وغالباً ما يشهر منتجو هذه العروض إعلانات في القنوات التلفزيونية يختارون لها مشاهد تداعب الغرائز.... يمكن أن نجد الأصول البعيدة لهذا النمط من المسرح الملهاة التي عرفها في المسرح المصري، ثم في مسرحيات الفنتازيا والهرج، والتي تهدف إلى الإضحاك، وتقوم على تناحر شخصيات يخدع بعضها بعضا ، وقد ظهر ما يشابه هذا النمط في مسرح " الفودفيل" في بداياته، وفي مسرح "البوليفار" إبان القرن التاسع عشر وقد نربط ذلك بالمعجم المسرحي " ماري إلياس، وحنان قصاب حسن" ومرحلة الفنان " جاسم شرف وسامي محمود ونظام العيبي " وغيرهم ... وفي مفهوم آخر للمسرح التجاري الكاتب والمنظر المسرحي الأميركي إلمر رايس، في كتابه "المسرح الحي " يربط بين الاستثمار التجاري الذي يروم الربح وثقافة الاستهلاك مؤكداً أن الطابع الغالب في المسرح المحترف في أميركا هو طابع المؤسسة التي يموّلها أشخاص هم المستثمرون، والمديرون ممن يراودهم أمل كبير في تحقيق الربح. لذلك لا مفرّ من أن يكون الفيصل في " اختيار مسرحيات ينتجها مسرح محترف هو تقدير المنتج لما تستحقه هذه المسرحيات من أرباح " وهي مسرحيات لا تهتم كثيراً بعناصر الدراما وبنائها وجمالياتها، بل بالإضحاك، إذ كلما زاد عدد المواقف أو الشخصيات المغرقة في الضحك كان العرض المسرحي أكثر جذباً للجمهور الواسع، الباحث عن الترفيه والتسلية، ومن ثم أكثر إدراراً للأرباح وهو الهدف الأساسي ... ولما تقدم أن هذا المسرح يستغل المسرحيات استغلالاً اقتصادياً، وهو ما يُعرف بالاتجار بالمسرحيات، وذلك يعني خضوع العرض المسرحي للطلب، ولمبدأ أن السلعة الرديئة تطرد السلعة الجيدة. وهنا يعتمد بالدرجة الأولى على تمويل المنتج المستثمر، وعلى فرقة مسرحية لا تعتمد على المعونات من الجهات الرسمية مثلما هو حال المسرح الوطني وفرقه.... وأصحاب هذا المسرح يمتلك الإجادة الفنية في المسرح غالباً ما تعوق النجاح التجاري اذا كان إنتاج الدرامى يعطي الشكل الحقيقي للمسرح الملتزم فكريا وتقنياً فنياً حيث يكون مستقبل إلى المسرح الأكاديمي وعناصره من النخبة ... وفي معيار الأحداث إنتشر "المسرح التجاري " في العديد من الدول العربيةأيضاً، ويُعدّ منافساً قوياً للمسرح الجاد، بسبب ضعف وعي شرائح واسعة من الجمهور، وضحالة ذائقتها، وفقر ثقافتها المسرحية، وشحة وسائل الترفيه الراقية، فضلاً عن الأزمات التي يعيشها بعض المجتمعات على أصعدة كثيرة، والتي تدفع هذه الشرائح إلى تفريغ همومها وإيجاد متنفس لها بأشكال تسلية مهما كانت مبتذلة.... ولعل العراق أبرز نموذج لذلك منذ وخلال سنوات الحرب من موجة أبان ظروف الحرب في الثمانينيات أفرزت حالات مجتزأة ساعد في أنشاؤها عسكرة الثقافة والفنون، وبعد الاحتلال الأميركي لكن هذه الظاهرة لم تحضَ بدراسات معمّقة من طرف النقّاد والباحثين، بل اكتفى بعضهم بمقالات قصيرة في الصحف، تشجبها وتعدّها إساءةً إلى ما حققه المسرح العراقي في الستينات والسبعينات الذي توج بأعمال مسرحية مجيدة ومن تجارب إبداعية خالدة ذات مكانة مرموقة في المسرح العربي.... ويجد بعض مؤرخي المسرح العربي جذوراً للمسرح الاستهلاكي في العروض الهزلية التي كانت تُقدم في مواسم الأعياد في العراق و(عيد شم النسيم) في مصر ومواسم السياحة والاصطياف ،عندما انتبه المستثمرون من ذوي رؤوس الأموال إلى إمكانية كسب أرباح لا بأس بها من خلال توظيفها في تلك العروض. كما تمكن الإشارة إلى أصول لهذا المسرح في التمثيليات الارتجاليةوالاسكتشات والقفشات الساخرة التي كانت تُقدم في الملاهي حتى خمسينات القرن العشرين..... وتجدر الإشارة إلى أن ظهور المسرح الاستهلاكي في العراق نوع من الترفيه، خاصةً في العاصمة بغداد، تحت مسوّغ حاجة الناس إلى نوع من الترفيه، للتخفيف من وطأة الحروب ، وشيئاً فشيئاً صار هذا المسرح مصدراً لثراء سريع نزل على أصحابه من خلال الارتفاع المطّرد في نسب جمهوره، مما دفع بالمسرحيين، من ذوي المواهب المتواضعة، والطامعين بالمال والنجومية، إلى تقديم مسرحيات لم يكن شعارها غير الاستسهال، وتعجّل الوصول إلى ذلك الهدف. وما تلاها من حصار مدمّر، أصبحت الحاجة السايكولوجية والاجتماعية أكثر إلحاحا في طلب هذه المسرحيات الخالية من الفكر والابتكار، المليئة بالضحك على كل شيء، والسخرية من أيّ شيء، وسط خراب لا مثيل له طال النفوس قبل الرؤوس. وهكذا، وجد المسرح الاستهلاكي الأرض الخصبة التي ينمو فيها، وينتشر حتى وصل عدد المسارح التي تقدم هذا النموذج يومياً في بغداد وحدها إلى نحو 20مسرحاً تقريباً هي أقرب إلى " الملاهي" المعروفة منها إلى المسارح، خاصةً مع دخول نجوم الغناء ممثلين في هذه “الحفلات” لتقديم وصلات غنائية بين مشهد “مسرحي” وآخر مثل (غزلان، سعدي الحلي، عبد فلك، حمدية صالح ، المها ..الخ ” ثم دخول الغجريات من خلال فواصل رقص طويلة داخل العرض الواحد. وقد أدى هذا كله إلى تحويل فن المسرح إلى مجرّد ملهى ليلي يستعير شكل المسرح قناعاً له! وهذا ما أشار اليه عبدالخالق كيطان، “المسرح بين الاستهلاك والتجريب”. وبعد غياب دام أكثر من عدة سنوات، عقب الوجود الأميركي، عاد المسرح " التجاري" الاستهلاكي إلى الواجهة في بغداد، وتحوّل هذا المسرح، كما يقول الكاتب "عبدالجبار العتابي " إلى ظاهرة ضربت قلب أهم مسرح في العراق وهو المسرح الوطني، الذي يُعدّ رمزاً للمسرح الجاد والملتزم والهادف، فضلاً عن مسرح آخر في شارع الرشيد (يقصد مسرح النجاح). لقد أصبح المسرح الوطني ساحةً فسيحةً يقام على أطرافها الصخب، وعلى صدرها يتعالى دخان الإسفاف عبر الكلمات والسلوكيات التي تحاول صنع ضحكات على شفاه المشاهدين، لكنها صناعة لا تحمل معها سوى “شر البلية ما يضحك”، فهي لا تعدو عن كونها ضحكات على مَن يقف على الخشبة، أو مثلما يقول الفنان طه المشهداني بحزن “الفنانون مجرد قرقوزات”... اعقبه الفنان عبدالستار البصري " أن هؤلاء الذين أدخلوا السفاهة في الفكاهة ليس الذنب ذنبهم، بل ذنب المعنيين والمسؤولين والجمهور الذي يذهب إليهم، فهم يعملون بلا رقيب تحت شعار إذا لم تستح فافعل ما شئت " انه شيء اكيد، هؤلاء سفهوا الثقافة والفن والتمثيل، سفهوا كل شيء.... إذن ماهو المطلوب الآن، ...أن يصور إلى رأي ، مجابهة ذلك بثورة أخلاقية، ثورة ثقافية من كل الفنانين الشرفاء بالخروج ، بأن يتكلموا في وسائل الإعلام كافة وفي جميع المنابر بصوت عال، وبأن يصرخوا في وجه هذا النهج المنحط، ووجوه المسؤولين عن خراب المسرح، والذين يروّجون له ويدعمونه مادياً، وأن لا يسمح بإستمرار المسرح التجاري بإسفاف أقوى وتهريج أخطر .... ويرى الكاتب المسرحي والفنان حميد شاكر الشطري " أن أغلب الأعمال التجارية الاستهلاكية أساء إلى المسرح من خلال زج بعض الراقصات "الغجريات" في عروضه، واعتبارهن فنانات أو نجمات في عالم المسرح، وهن يلبسن الملابس الضيقة والقصيرة، ويقذفن كلمات خادشةً للحياء من أجل استهواء حفنة ليست بالقليلة من الشباب المراهق" .. ومن الملاحظ مع الأسف قيام مخرجو تلك الأعمال باستغلال أصحاب العاهات وقصار القامة، والسخرية منهم على خشبة المسرح بعد إغرائهم بحفنه من المال هم بأمس الحاجة إليها، ما يوهمهم بأنهم أصبحوا نجوماً .. وهناك آراء عديدة متباينة أثيرت خلال السنوات الأخيرة في الوسط الاكاديمي حول مشكلة مسمى (المسرح التجاري) على مستوى المسمى والمضمون ،على صعيد تسمية (تجاري - الآستهلاكي) هناك من قال لا يوجد مسرح في العالم يدخله المتفرج بدون تذكرة، على صعيد مسمى (شعبي) منهم من قال كل خطابات المسرح هي لكل الشعب، وعلى صعيد (الجماهيري) منهم من قال ان كل المسرح رسالة انسانية موجه الى كل الجماهير دون شريحة معينة ... أن المضامين هذا المسرح هي من أثار اشكالية المسمى لدى المهتمين بالشأن المسرحي ، وهناك الكثير من المشاكل التي تفشت في جسد هذا المسرح على مستوى الخطاب الفكري والجمالي والذوقي، الذي أصبح كابوساً مزعجاً يهدد ذائقة المتلقي ويعيق التلقي الجمالي النموذجي .... ولكن المسرح في تقنية وعرض واقع بين فكي كماشة ، الأول لا يجادل ممول مؤسسات لإعادة جوهرة المسرح في نتاجه اللائق بثقافة المجتمع ودعم العاملين في مسرح الدراما والمسرح الجاد والثاني إن فسح المجال امام المستثمرين من ذوي رؤوس الأموال الى أمكانية كسب ارباح لا بأس بها من خلال توظيفها في تلك العروض التي كان يعمل فيها مسرحيون ، منهم من أنشأ مسرحه الخاص بتقديم الأعمال الاستعراضية الرائعة والتي تخضع نصاً وعرضاً الى سياقات المسرح التقليديه الرصينة، على غرار مرحلة السبعينات ،عرص مسرح كوميدي ملتزم ورصين قدم أعمالاً كبيره أرتقت الى مصاف المسرح العالمي الذي تمتد جذوره الى كوميديا المسرح فهل هذا النوع لا يضمن أن يتخلله الحشو من مسرح اليوم..!! . وهل يقودنا ذلك كله إلى المراجعات في غياب آخر أشد خطورة ..؟ وهو غياب التقاليد. هكذا يصل المسرح العراقي في أواخر العقد الثاني من الألفية الثانية إلى مصير لا يسرّ وهذا التراكم الكمي لم يفرز شيئاً على مستوى النوع... هل نستطيع أن نعلّق عليه الآمال...؟ممكن أن تسهب في جمل انشائية مهرجانات للمسرح هذه الأيام، وكيف أنها تتحدى الركود، وما إليه، ولكن لن تصمد أمام حركة تاريخية عنيفة ومتسارعة تطالب أهل المسرح ورواده، قبل غيرهم، أن يكونوا، في أقل تقدير، امتداداً لمن سبقهم... وأنا قد اكتب هذه الكلمات، التي لا تخلو من غضب عاطفي، أُ حازم أن غياب المعايير هو الذي أوصل حال المسرح العراقي إلى ما هو عليه اليوم. كان قسم المسارح في دائرة السينما والمسرح، على سبيل المثال، يخضع لمعايير عمل معينة. هنالك المخرجون، الممثلون، التقنيون. ولكل اختصاص من هذه الاختصاصات ، لجنان وأُدرك الآن أن ثمة شباباً ساخطين على الدوام هم أكثر من سخطاً منا ، لن يجدوا امامهم غير الإهمال وهم يقرأون ما لا يسرهم. لم لا. لقد أصبح التغاضي والتسويف جزءاً من ثقافتنا ومسرحنا هو الآخر لم يقدم شيء ملموس لجمهور يطلب عروضاً مغايرة ..وإذا ما أراد المشتغلون في المسرح أن يفعلوا شيئاً فلا توجد وصفة أبلغ من الاستماع إلى شيوخه الكبار والشباب المتحمس بعشقه للمسرح على حد سواء.

 
 
 

تعليقات


Drop Me a Line, Let Me Know What You Think

Thanks for submitting!

© 2023 by Train of Thoughts. Proudly created with Wix.com

bottom of page