خاص / فنون / كتبت التشكيلية باسمة العبيدي / .حسام عتلم .......و.........( مفردات برائحة الوطن )
- 18 يوليو 2020
- 6 دقيقة قراءة
....
....ثمينة تلك اللحظات التى تأتينا بتلك المفردات و التى تستثير فينا ذكريات الوطن . وما تحويه تلك الذكريات من لمحات ضوء دافئة . تذيب تلك الثلوج التى إعتلتنا . بل وأسهمت فى بث الجمود فى جوانب كثيرة من حياتنا . وتدخل التجربة التشكيلية للفنان المميز / حسام عتلم . معتركها مرتكزة على تلك اللحظات النفيسة . والتى تارة يجترها بفعل حنينه إلى مسقط الرأس والنشأة وسنوات الصبا والشباب . وما تحمله تلك السنوات من تفاصيل يترك لها المتسع طواعية لتتلاعب بمشاعره عله يستعيد مذاق حلاوتها الذى لا يرتوى منه . وتارة بفعل البحث عن مفردات ذات دلالات متفاوتة الوضوح . يشعر معها بتلك الحالة من الثراء والقيمة . وتمثل لديه رمزا وأيقونة يختزل من خلالهما الكثير من الشروحات التى تجيش بها نفسه . والتى يجيد التعبير عنها من خلال تلك اﻷطروحات التصويرية التى تتميز بدسامة السطح وثرائه . واللذان يعكسان مدى تقديره لقيمة أصوله ومنزلتها .
....وحسام عتلم واحدا من الفنانين المصريين الذين خاضوا تجربتهم الفنية من خلال الولوج عبر البوابة الأوربية . والتى بلا شك أضافت لطرحه هذه النبرة من الجدية واﻹلتزام بما هو بصدده من طرح ومنتج . وهو من مواليد ( كفر خضر-طنطا) فى 5 نوفمبر 1963 . وتخرج فى كلية الفنون الجميلة ( اسكندرية ) عام 1987 . وحصل على درجة الماجيستير فى الترميم من جامعة كولون ( ألمانيا ) . وكذلك جاء حصوله على درجة الدكتوارة من نفس الجامعة فى علوم التربية والفن . وأيضا هو عضو إتحاد الفنانين فى ألمانيا .
....ولا شك أن دراسة (الترميم ) قد لعبت دورا محوريا فى تجربته التشكيلية . بل وفى مساره المهنى بشكل عام حيث أنه يمتلك إحدى المؤسسات المتخصصة فى الترميم . وكذلك هو واحدا من خبراء الترميم فى كولون ( ألمانيا ) . ولعل وجود معرض دائم لأعماله فى إحدى جاليرهات ( كولون ) . كان أحد أسباب إنتظام منتجه وطرحه . كما لعبت معارضه الشخصية الخارجية والتى أقامها فى العديد من مدن العالم . مثل نيويورك وشيكاغو وبرشلونة وباريس وهامبورج وغيرها من المدن العالمية . لعبت تلك المعارض والتى تقترب من خمسون معرضا دورا فى إحتكاكه فنيا مع جمهور مختلف من المتلقين . وكذلك مع ثقافات عدة مغايرة لثقافته . والتى بالتأكيد إنعكست على تجربته باﻹيجابية وأثرت فيها وأصقلتها .
....والفنان د/ حسام عتلم هو أحد أنصار مدرسة ( المتجر المفتوح ) للخامات . وأجده من وجهة نظرى من أكثر الفنانين الذين إرتادوا هذا المتجر الواسع والمتعدد النوعيات . فهو من صنف هؤلاء الفنانين الذين لا يحدهم سقف الخامة المستخدمة . ولعل ممارسته فن التصوير جعلت من المتجر المفتوح للخامة نموذجا مناسبا ومتوافقا مع مفهومه فى الفن وطرحه . فكانت تجربته واحدة من التجارب المميزة فى إستخدام الخامات المتنوعة .
..ولعل كونه خبيرا بالترميم فقد إنعكس ذلك على المفهوم الذى يسيطر على منتج طرحه . والذى تستحوذ فيه اﻵصالة على الجانب اﻷكبر منه . وجائت أطروحاته لتشعرنى بذلك الثراء المتراكم فى تاريخنا وجينات مواطنينا . فقد أراد / حسام عتلم من خلال تجربته أن يأصل لذاته ونفسه ومسقط رأسه أولا .ولمنتجه وتاريخه ثانيا . فلم يتخذ من معايشته لعالم الغرب اﻷوروبى نقطة إنطلاق لتجربته . بل فضل أن تلعب مفرداته المصرية ذلك الدور وخاصة تلك التى عايشها فى ( كفر خضر / طنطا ) . وإستطاع أن يرتكز على مفردات شرقية بشكل عام . وقد ظهرت جلية فى إستخدامه للمتون الغائرة و المصاحبة للمشهد التصويرى لديه بصورة شبه دائمة مرتكزا على ما تراكم بداخله من علوم تاريخ الشرق اﻷدنى القديم . والتى أسهمت بشكل كبير فى إنتزاع الفضول من جمهوره وخاصة الأوروبى . كما إرتكز على مفرداته المصرية والتى نجح فى صياغة سطوحها لتحاكى واقع تكوينها وماهيتها بشكل ملفت للنظر . ولا أدل على ذلك من عمله الذى صاغ فيه ذلك الرغيف اﻷبيض الرقيق ( الرقاق ) . والذى تكون وحداته تلك اﻷكلة المصرية الشعبية والتى لم يفلتها مصرى واحد فى وجباته بشكل عام وخاصة فى مناسبات ومواسم كموائد رمضان . وإفطار عيد اﻷضحى .
..ولم يخفى الفنان / حسام عتلم ذلك الغرام والعشق لتلك البقعة المكانية والمتمثلة فى مسقط رأسه ( كفر خضر/ طنطا ) والتى تحتل حيزا كبيرا من حديثه . ويفتخر بتلك العائلة التى ينتمى إليها . وبفلاحته لأرضه ورعيه لمواشيه فى أرضها أيام شبابه . وما لهذه الذكريات من أثر فى نفسه . وقد ظهر ذلك من خلال تلك اللوحات التى صاغ فيعا ما يشبه الملاط ( وهو الخليط ما بين الطين والتبن ) والذى ظهر فى كثير من أعماله . والذى إستطاع من خلاله أن يجسد شكل ورائحة جدران البيوت .
.....ولكن أكثر ما جذبنى فى تجربته الثرية والمفعمة باﻷصالة . هى تلك الوجوه التى تناولها بحلول تنم عن موهبة ومهارة وحس رائع . وقد فاح منها عبق مسقط الرأس الذى يفوح من غالبية أعماله . ويشعره بذلك الفخر وهو يزين عروضه فى قاعات أوروبية وأمريكية بتلك اﻷعمال ويحرص على إنزالها منازل الضيوف الكرام . لقد جائت تلك الوجوه التى صبغها بألوان تقترب من درجة لون ( السيبيا ) . وقد أخذ فى التلاعب بدرجات تباينها . ذلك التلاعب الذى ينم عن تمكنه من أدواته وحلول تناولاته .. إلا أن ملامس تلك الوجوه جائت غاية فى التوفيق والسداد . ولعبت دورا محوريا فى إلباس أعماله رداء اﻷصالة الذى لا تنكره عين . وتشتاق إلى رؤياه تلك اﻷعين الأوربية ..لقد صاغ الفنان / حسام عتلم هذه الوجوه التى تعلوها تلك التشققات والتى إستطاع تحويرها لتصل فى بعض الحالات إلى الحالة القشرية . تلك الحالة التى كثيرا ما تصادفنا فى العديد من السطوح الريفية ذات القدم . ولم ينجح / حسام عتلم فى إيجاد حلولها فحسب بل ذهب لأبعد من ذلك بأن إستطاع تحويل تشوهاتها إلى قيمة مضافة للمتن البصرى . وليس إلى عناصر إنتقاص من المشهد . كما أتت تلك التعبيرية التى نوعها بشكل كبير . ليلبس وجوهه تلك التشكيلة من المشاعر البشرية المتفاوتة ما بين الفرح والغضب واﻹعتراض والخوف ....إلخ من تلك المشاعر اﻹنسانية . وكأنهم هؤلاء اﻷعزاء الذين تركهم خلفه فى مسقط الرأس وأغترب عنهم . إلا أنه رفض إغترابهم عن مخيلته وذاكرته ..
...
...وقد ذهب فى تناول مفردات ماضيه إلى أبعد من تلك الوجوه . فأنتقل إلى تلك التفاصيا التى عاصرها فى بيت النشأة . والتى ظهرت فى هذه اﻷعمال التى تعبر عن تلك القدور والتى تذخر بها بيوت الريف المصرى بشكل عام . وتلك التشققات والتجاويف والنتوءات التى تتسم بها تضاريس جدران وحوائط بيوت الريف المصرية ...
...وقد أستوقفنى كثيرا ذلك العمل الذى يحاكى تلك الجداريات التى تنسب إلى حضارت ما قبل التاريخ كنقادة والبدارى ودرتاسا وغيرها من تلك الطفرات اﻹنسانية اﻷولى . وقد جاء عمله التصويرى البارز والذى يمثل ما يشبه شخصان ممسكان بما يعبر عن أدوات الفلاحة الخاصة بدرس الغلة . أو بما يشبه المعاول . وجائت تحريك جسديهما غاية فى الرشاقة والدراما . وقد علاهما ما يشبه السقف أو ما يشبه ربة السماء ( نوت ) فى أحد اﻷرباب فى ( تاسوع هيليوبولس ) أو هكذا ترأى لى . لقد وجدت فى هذا العمل واحدا من أقوى أعماله وأكثرها زخما معبرا عن مفهومه . والذى إستطاع من خلاله إختزال ذاته ونفسه ومصريته بل وكامل تجربته . فقد وقع فى فهمى من أطراف الدلالة التى أظهرها فى عمله . أننى بصدد عدة مشاهد لديها قاسم مشترك . وهو مصرية الحالة فى مطلقها . فتارة رأيته مشهدا حياتيا لإثنين من الفلاحين يدرسان الغلة بأحد اﻷجران . وتارة رأيت مشهدا دينيا لإثنين من الرجال يتطلعان إلى ربة السماء ( نوت ) . ربما للتضرع واﻹستعانة والعون .. ولا أدعى قصده لما وقع فى فهمى . إلا أنه نجح من خلال ذلك العمل فى أن يفتح لى باب الخيال لأمارس من خلال عمله نوعا من التدبر والتفكر بدلالاته وعناصره ...وقد جائت حلول السطوح لديه حاملة تلك الدرجة من الثراء والقيمة وجائت تخطيطات الرسم البارزة لديه متناغمة مع مفهوم عمله .
لقد إرتكز الفنان / حسام عتلم فى تجربته على ما فى ذاكرته من حكايات ( جدته ) . والتى يذكر عنها ما روته له من تلك القصص بقوله [ لقد حكت لى جدتى رحمها الله فى صغرى الكثير من الحواديت . وعندما كبرت وتعلمت . أدركت أنها قد حكت لى كل أساطير البشر ] .
....وربما لا يتسع مقالى ومقامنا لتناول مثل تلك التجربة الثرية والمميزة لذلك الفنان الذى يبدع فى صمت . تلك التجربة التى أرى فيها نوعا من الطزاجة الممتدة والتى تنم عن حالة شديدة المصرية سواء من ناحية المبدع . أو من ناحية الطرح والتناول . وهى واحدة من التجارب التى تثبت أن المعين المصرى لا ينضب أبدا مهما نهل منه الجميع . فمصر بمفرداتها وتفاصيلها ستظل ناضحة بتلك المثيرات والمحفزات التى ستظل بمثابة حجر الزاوية فى العديد من التجارب الجادة والمميزة كتجربة الرائع الفنان / حسام عتلم . والتى أستطيع أن أصفها بأنها واحدة من التجارب الرائعة والتى ستتطور مع كل مشهد وعمل حيث أنها ترتكز على ( مفردات برائحة الوطن )
ياسر جاد
سبتمبر 2015





تعليقات