دراسة نقدية لرواية نيران للروائي حسن السلمان/ للناقد يوسف عبود جويعد / العراق ..................
- 6 مايو 2020
- 5 دقيقة قراءة
المنشورة في مجلة المامون الصادرة عن وزارة الثقافة العدد الاول لعام 2020
النص المضمر في ... نيران
دراسة نقدية يوسف عبود جويعد
"أطلت فجأة من بين شجيرات الآس، رؤوس كلاب سود، بألسنة دموية، يسيل منها اللعاب.. هبت ريح قوية، ومن مكان ما،تدفقت أسراب من الجراد وسدّت عين الحلم، فأختفت عمتها بين أسراب الجراد والضباب، وبينما هي تتلفت مرعوبة،ولا شيء أمامها سوى أسراب الجراد والضباب... فزت على أصوات نباح كلاب تتناهى إليها وهي ما تزال في السرير، ورياحٌ عنيفة تضرب زجاج رازونة غرفتها.. كان فمها جافاً، وأطرافها ترتعش وقد غطّت حبيبات العرق جبينها، واستولى عليها التعب.) ص8
من خلال تلك الرؤية الفنية الحلمية الكابوسية، نلج أحداث رواية (نيران) للروائي حسن سلمان، والتي سوف نكتشف لاحقاً، بأنها جزء مهم من ثيمة النص وفكرته،بعد أن نكون قد اجتزنا المستهل الأول الذي يمثل العتبة النصية الموازية وهو مقولة لـ (هنري باريوس):
" الألم الحقيقي يقيم فينا، إنهُ ليس بشيء يرى، أو يُسمع. لكنه يوقف بسهولة كل شيء، حتى الحياة. إن الألم الحقيقي يتلبس أشكال السأم الجليلة"
وأنا لست بصدد إستعراض أحداث هذا النص، من خلال نقلي لهذين المقطعين منه، ولكن أجد فيهما أهمية في إستكشاف وسبر أغوار النص التوعوي الذي سيضمر في إنساقه، وهو يمثل الرؤية الفنية الواعية للروائي، وهو يرحل بنا بأحداث متصلة متواصلة، رغم تضمين هذا النص تقطيع مرقم يمثل فصول الرواية، الا أنه لا يعني سوى محطة إستراحة قصيرة للمتلقي الذي سوف يتابع دون أن يجد إنتقالات كبيرة بين فصل وآخر.
كما أن هذا النص المضمر سوف يتصل بمحاور لأحداث ويتحرك معها بشكل تدريجي وهو يكشف ملامحه مع مسيرة المبنى السردي، ليظهر لنا بشكل واضح ومتكامل في نهاية الاحداث، وقد قسمت الاحداث الى مسارين سرديين الاول هو الحروب والكوارث التي حدثت في البلاد منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى سقوط الطاغية، والثاني سنكون فيه بمحافظة البصرة قرية (البجاري) حيث ندخل بيت نيران المتكونة من الام هاجر تلك الانثى الغجرية التي أحبها صالح الاب في احدى مخيمات الغجر، فيهرب بها ويحضرها الى البيت:
( في ليلة ماطرة باردة تسللا من المخيم، ونجحا في الهروب بين أزيز الرصاص ونباح الكلاب وزخات المطر والوحول.. توجها في البدء إلى مدينة كربلاء. وهناك قصّت شعرها، واغتسلت وتطهرت ووقفت امام القبة الذهبية للعباس بن علي بن ابي طالب. أمام القبة، سرت قشعريرة في بدنها، واختضت رعباً. ثم بلسان مرتعش أقسمت برأس العباس الحار، بأنها ستخلص لصالح مادام فيها عرق ينبض وتودع حياة الغجر إلى غير رجعة.) ص 38
ورفض والد صالح دخول الغجرية هاجر الى بيته كونها (كاولية) كما هو دارج تسميتها في اللغة العراقية الجنوبية، الا أن صالح رمى صفيحة البنزين في حوش اهله وهددهم بأشعاله في حال رفض دخول هاجر الى البيت، ليرضخوا له في النهاية لتلد بنتاً أسمته أخته نجيبة "نيران".
يقدم لنا الروائي حركة تناوبية بين الزمان والمكان، فبينما نحن نتابع مايحدث في بيت نيران وهو المكان، ينتقل بنا الروائي الى الحقبة الزمنية التي دارت بها الاحداث لينقل لنا أحداث حرب الثمانينات.
وتتزوج عواطف شقيقة نيران من خليل،وهو شخص سكير ويتعاطى الحبوب وسادي في علاقته مع النساء، حيث يقوم بتعنيف عواطف وضربها بشدة،أمام مرأى نيران التي تستشيط غيظاً منه، وفي ذات الوقت يموت صالح الاب اثر حادث صدمه بسيارة مسرعة، للتفاقم الاحداث وتبلغ نضوج حبكتها:
( تنتبه نيران إلى خصلة شعر أسود مجعد مرمية في الحوض. ترتعش شفتاها ويصعد الدم إلى عينيها. تهرع على عواطف وتسألها بصوت متهدج:
"شنو هذا الشعر؟"
تشيح عواطف بنظرها بعيداً وتلوذ بالصمت.
تعيد نيران سؤالها:
" كولي؟ احجي؟ خليل؟ الحقير كص شعرج"
تنفجر عواطف بالبكاء وتختبئ في المطبخ.) ص 82
وهي في سورة الغضب الهائج تتناول نيران عموداً خشبياً ثقيلاً وتهوي به على رأس خليل، الذي استطاع صده وانتزاع العمود منها وصفعها صفعة قوية تسقط على اثرها على الارض فيمسكها من رقبتها محاولاً خنقها، الا أنها تنهشه بأظافرها بشدة فتجمع كل ما تملك من قوة ووجهت له رفسة تقهقر إلى الأريكة وهو يلهث، ومن هنا تنشأ عداوة كبيرة بينهما ويتوعد كل واحد منهما بطرد الآخر من البيت، وينجح خليل بتهديده ويحقق غايته، حيث تلجأ نيران الى حبيبها سعيد وهو الآخر يحتسي الخمر ويتعاطى الحبوب المخدرة، وتهرب الى بغداد.
وفي بغداد تدور أحداث مختلفة بسبب إنتقالنا الى بيئة جديدة وحياة مختلفة، ولا زال النص المضمر خلف الاحداث يتمحور ويتكون ويتشكل، الا أن وقت ظهوره لم يحن بعد:
( طلبت من سعيد موافاتها مساءً على السطح.إقترحت عليه الذهاب معاً إلى بغداد وبدء حياة جديدة هناك. كانت تعرف بأن "سعيد" يمر بظروف صعبة للغاية.كانت تعرف بأنه عاطل عن العمل، وأن اباه طرده اكثر من مرة من البيت. قالت له:لنجرب حظنا بعيداً عن سواقي مجاري البجاري النتنة وحقارة خليل..آخ ياسعيد. لم أعد أحتمل رؤية وجهه القبيح ولا بشاعة ما يفعله بعواطف) ص 95 .
وهكذا تتوفر للروائي فرصة من أجل التركيز على تفاصيل حياة سعيد الذي يهيأه لحمل هذا النص المضمر، حيث يدمن على الخمر بشكل كبير وكذلك الحبوب المخدرة، ويسكن الفنادق القذرة، أو ينام على الارصفة بملابس رثة تفوح منها رائحة القيء والخمرالنتنة، ويهمل نيران ويهمل العمل مما يضطر صاحب الفندق تهديدهم بطردهما أن لم يدفعا الايجار المتأخر، ثم يطردهما أخيراً ليضطر الى السكن في بيت باجي سليمة وهي قوادة قديمة صلعاء سُخامية اللون، ناشفة الوجنتين، وتستغل القوادة حاجة نيران وضعفها وجوعها لتطوف بها على الفنادق والافران للممارسة البغاء، بعدها يجد سعيد فرصة عمل في معرض القاهرة وصاحبه ابو رشدي المصري، وتدور تفاصيل كبيرة، قبل أن نصل مرحلة التغيير وسقوط الطاغية، وتحدث حالة النهب والسلب، التي يستغلها سعيد بسرقة مبلغ كبير من المال ن بيت ابو رشدي المصري، لتبدأ مرحلة جديدة من الاحداث تزداد صورة هذا النص المضمر وضوحاً، فتسافر نيران الى البصرة منكسرة خائبة، بينما يستغل سعيد هذا النهب والسلب، ليعود الى البصرة ثرياً، قرر أن يدخل إلى الناس في البصرة، من الجانب الذي سوف يجعل له هيبية ومكانة وينال محبة الناس، وهو الجانب الديني، فأبتاع الكتب الدينية، واطلق لحيته وشاربه واشترى جبة نيلية، ومداساً من الكتان ابيض اللون، وقطعة قماش بيضاء عمل منها عمامة ولبس خاتمين في كل يد واشترى مسبحة ثمينة ذات مئة خرزة وخرزة، سوداء اللون وعطوراً وبخوراً وأصباغاً. وانقلب أسمه من سعيد الجراح، لبراعته في نشل جيوب الناس في الباب الشرقي، إلى الشيخ الجليل سعيد الجوارحي،:
( الذي كان معارضاً عتيداً لنظام صدام حسين والمجاهد الذي افنى زهرة شبابه في سجون ومعتقلات النظام السابق، وتعرض لشتى صنوف التعذيب، تعليق بالمراوح السقفية، وقلع الأظافر، والكي بالنار، والصعق بالكهرباء) ص 162 .
الى غير ذلك من صنوف التعذيب، وكل هذا من أجل أن يحظى بحب واحترام الناس السذج والبسطاء، والذين يتخذون كل ما يتعلق بالدين مقدس ولا يمكن مجاراته، ثم شيد مقراً لحزبه الجديد، وكسب شعبية وحب الناس لاختلاطه معهم وحضوره المستمر للمناسبات والمجالس الحسينية وكل ما يتعلق بجلب الناس إليه وإضطراره الى إفتعال البدع والخدع التي تمنح له هالة ومهابة واحترام، ويجعلها كرامات يتحدث بها الناس:
( بعد نجاح حملته، ذاع صيته في الأفاق، وتجاوز البصرة، إلى العمارة، والسماوة، والناصرية، وكربلاء، والنجف، ووصل إلى أسوار وبوابات المنطقة الخضراء في بغداد، فتقاطرت النساء والرجال إلى معسكره للتبرك، والسؤال
، وطلب الحاجات وعقد النذور، ومن بينهم مسؤولون كبار في الدولة وقادة عسكريون من اعلى الرتب وأساتذة جامعيون ومشرفون تربويون. امتلأ المعسكر بالنذور والأعطيات من خراف وعجول ورز ودقيق وسمن وسكر وشاي. وانتفخت جبة الجوارحي دنانير ودولارات) ص 174 .
وهكذا يكتمل بناء النص المضمر،ويظهر من بين ثنايا النص، ليقود العملية السردية،ويكون البؤرة الرئيسية لاحداث النص، وفيه إشارة واضحة الى ضرورة تفعيل الوعي داخل كل إنسان من أجل إستخراج الصالح والطالح من التابو المقدس الذي هو الآن بحاجة الى الوعي.
من إصدارات دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع لعام 2019





تعليقات