top of page

دراستي النقدية لرواية امبراطورية الثعابين للروائي احمد الجنديل/ الناقد يوسف عبود جويعد / العراق ,,,,

  • 8 نوفمبر 2020
  • 4 دقيقة قراءة

المنشورة في جريدة الزوراء ليوم 8-11-2020

العالم الأحمر في... إمبراطورية الثعابين دراسة نقدية يوسف عبود جويعد بنية العنونة لها وجوه متعددة وتفسيرات ومعان ورؤى، تدخل ضمن عملية البناء الفني، لبناء النص السردي الروائي، فتكون أحياناً العتبة النصية الموازية للنص، وأحياناً تكون شفرة ورمز تتوضح ملامحه عند متابعتنا لبنية النص، وأحياناً تكون نصاً مضمراً ومكملاً للنص تسير معه خطوة بخطوة رغم اعتلائها منصة النص، وفي رواية (إمبراطورية الثعابين) للروائي أحمد الجنديل، الأمر مختلف فبعد أن تنتهي من متابعة الأحداث التي يتضمنها هذا النص، ستكتشف بشكل مذهل أنك حقاً كنت في إمبراطورية للثعابين، كنت في عالم آخر مختلف تماماً، فهو بالظاهر ينقل لك أحداثاً من صميم خيال الواقع، هذا ما أشار له الروائي في مستهل هذا النص إذا يقول: (هذه الرواية من صنع الخيال، وإذا ما توافقت شخصية حقيقية مع شخصيات الرواية فإنْ ذلك يعود إلى المصادفة وحدها. كتبتها لمن يهوى السباحة في بحيرة خياله، أمّا الذين لا يجيدون فن العوم، وليس لديهم خبرة في عالم الإبحار، فلا أملك لهم غير النصيحة بعدم قراءة هذه الرواية لأنها لا تروق لهم ، ولا تتحدث عنهم، ولا تمت لهم بصلة). وفي ذلك سبيلان يمكن الولوج منهما لمعرفة فيما إذا كان الروائي قد صنعها حقاً من خياله أو أنه يريد إيهام المتلقي بذلك كي يأخذ المساحة التي يريدها من الحرية من أجل أن ينقلنا إلى عالم آخر مليء بالأسرار، عالم الليالي الحمراء والفسق والمجون والدعارة، عالم أموال التجار الكبار الذين ينفقونها دون وجه حق على سهراتهم وبغاياهم ودعارتهم وفسوقهم وخمرتهم وسكرهم، وتلك هي إمبراطورية الثعابين التي زجت فيها فتاة لم تنضج بعد، غررت من صديقة لها دخلت هذه الإمبراطورية قبلها، تلك هي ساجدة بطلة هذا النص والساردة الوحيدة له، والغريب في الأمر أن من يدخل هذا العالم لا يجد له مخرجاً آخر أو خلاصاً ويبقى تحت رحمة تلك الثعابين التي تتلذذ وهي توجه الكثير من اللدغات لمن زج نفسه معها، تلك هي الرؤية الفنية الرمزية التي نكتشفها ونحن نتابع سير الأحداث وهو ما مضمر داخل النص، أما الأحداث التي تظهر على متن النص، هو هذا العالم بكل تفاصيله دون الإخلال بنقله وفق الصورة الصادقة له: (كانت أحلامي رهينة عند رأسي الصغير، إلا أن صديقتي جناناً استطاعت أن تفك رهانها، أخذتني بلسانها الذي يفيض عسلا، هشّمت رأس القمقم الذي أختبئ بداخله، سحبتني إلى عالم لم يلامس خيالي يوماً، كنت مأخوذة بسحر حديثها، كانت تزورني من حين لآخر، وفي كل زيارة أحسّ أنني التصق بها) ص 11 وهكذا فإننا سوف نكتشف أن ساجدة التي ظلت تتنقل بأكثر من أسم في هذا العالم، هي الكشاف المضيء الذي سوف يساعدنا في سبر أسرار هذا العالم ومعرفة كناه ودهاليزه المظلمة، وتستمر الأحداث ونتابع حياة ساجدة وهي تتوغل في وكر الثعابين، والمحاولات المتعددة من أجل اختراق مكحلتها كما تصف ذلك هي، إلا أنها تعيش صراعاً كبيراً من أجل أن لا يحدث ذلك: (تناولت البطاقة على عجل، بينما راحت أصابعه تفك شريط قميصي، طباعه الريفية صرتُ أراها بوضوح أكثر، عانقني بقسوة الفلاح النائم بداخله، رقصت له، برقت عينا الثور، بدأ يسخن، تفقد شاربيه، لم تفصلني عن لحظة الهجوم غير طرق الباب الذي جعله يؤجل هجومه، وجعلني أرتدي ملابسي بسرعة.)ص 33 يقدم لنا الروائي وبشكل مزدحم وضاج ومتدفق وكبير، تفاصيل حياة الفسق والمجون والعالم الأحمر، والإغراءات المستمرة داخل متن النص، ومن خلال الاقتراب والعمل مع التاجر الحوت الكبير الدكتور السامون، والذي وجد نفسه منساقاً إليها وإلى جمال ومفاتن جسمها الطري، فإنه يدعوها إلى السفر إلى بيروت وإنجاز بعض الأعمال التجارية المهمة والكبيرة، فتسافر معه، ولأنها بعيدة ومستسلمة فإن السامون يستغل هذا الضعف ويستطيع أن يحقق غرضه: (أحسست بدخول الميل في مكحلتي وأن قطرات من دمي بدأت تتساقط على الملاءة البيضاء، وأن الشيطان قد انتصر أخيراً وهو يلوح براية نصره، شهقت شهقة أحسست أن روحي قد خرجت معها، )ص 82 ما حصل لساجدة جعلها تفكر بالانتقام لتعويض الخسارة التي لا تعوض، لكنها ستبقى داخل إمبراطورية الثعابين، لمعرفة كل تفاصيل حياتهم وكيف تدار تجارتهم، وكيف يحققون هذه الأرباح الخيالية، وكيف يكبرون، فاكتشفت أن اللقب وصفة الدكتوراه التي يحصلون عليها بالزيف والتزوير، هي صفة تجعل لهم مكاناً وهيبة واحتراماً، وتسهل أمور تجارتهم وعلاقاتهم، وأن عالم الفسق والمجون والخمر والليالي الحمراء صفة شيطانية تجعلهم يدخلون في بطونهم الحرام، ويلتهمونها كما تلتهم النار الحطب. استطاعت ساجدة في فترة وجودها في بيروت أن تحقق الفائدة القصوى بالحصول على الأموال الكبيرة الذي كان يغدقها الدكتور السامون عليها في كل ليلة حمراء يعيشها معها، وفي كل صفقة تجارية يحصل عليها، وفي كل ربح مادي يحصل عليه، إضافة إلى أنها كانت تنتهز عدم وجوده فتأخذ الرزم المالية من الحقائب التي داخل غرفة الفندق، عادت وهي تحمل المال الكثير، الذي من شأنه أن يجعلها تسير في درب التجارة: (مع وحدتي في الغرفة، تندلع الحرائق من جديد، تخرج الثعابين من جحورها، تتمدد السنة العفاريت، ومع اشتداد قسوة المعركة وشراستها، يخرج عفريت التحدي من رأسي، أمسكه من عنقه وأقاوم به، ولا بد من إحراز النصر على كل الثعابين، ومن يريد قتل الثعبان فعليه برأسه) ص 157 ومن أجل أن يحقق هذا الصراع غايته، يجب أن تتسلح ساجدة بكل الأسلحة التي من شأنها دخول إمبراطورية الثعابين والانتصار عليها، لذا فإنها غيرت من لقب أهلها وجعلته بيت البريكان، وشيدت بيتاً كبيراً فيه ديوان يسع للكثير من الناس، وجعلت أباها يستقبل الناس، وشاع اسم البريكان وحققت في تجارتها وشركاتها أرباحاً، وبعد تفاصيل كبيرة تتزوج ساجدة الدكتور السامون، ثم يفارق الحياة، فتحس بأنها انتصرت وتدفن القماشة البيضاء التي تلطخت بدم عذريتها قرب قبر السامون، وتواصل حياتها النظيفة الصافية من جديد، بعد أن اكتشفنا من خلالها هذا العالم الماجن الأحمر وكيف تتم الصفقات المنتهية الصلاحية للبلاد، مثل صفقة الشاي، وصفقة الطحين، وصفقة الحليب غير الصالحة للاستخدام البشري، وكيف حققت تلك الصفقات أرباحاً طائلة. (ومع انبلاج الفجر أتممت ما أريد قوله، لملمت أوراقي وسحبت ورقة بيضاء كتبتُ على صدرها بالقلم العريض (إمبراطورية الثعابين)، وانطلقت مسرعة إلى المطار لاستقبال القادم العزيز.

من إصدارات دار تموز - طباعة - نشر - توزيع - دمشق لعام 2017

 
 
 

تعليقات


Drop Me a Line, Let Me Know What You Think

Thanks for submitting!

© 2023 by Train of Thoughts. Proudly created with Wix.com

bottom of page