غبن الحقيقة بين المرئي واللامرئي / محمد خصيف/ المغرب ,,,,,,,
- 18 يونيو 2020
- 4 دقيقة قراءة
حسب بعض الباحثين أنها هكذا كارثة، شكلت نوعا من الاغتراب والاستلاب، وجعلت الفن منعزلا عن الإنسان وكينونته، إذ في نظرهم، مع ظهور الاتجاهات الشكلانية في الفنّ(1)، عَمُقَت الهوة، والتزم العمل الفني حتى يتأسس على قيم تشكيلية/جمالية صرفه، ليس إلا، مفتقراً إلى أي رباط يرد أصوله إلى الإنسان... إلى مبدعه! ذهب آخرون إلى أقصى حدود الانتقاد معتبرين الشكلانية إجحافا في حق الفن والفنان على السواء. فاعتبار الإنجاز الفني "العظيم" يمكنه أن يتحقق عندما ينفصل الخيال التشكيلي عن تمثيل العالم المرئي، يعد جورا وتعسفا اتجاه حقيقة كنه الإنسان وكينونته عامة. ... الحالة المأساوية هاته حركت الفكر الفلسفي ودفعته إلى الإقدام على طرح تساؤلات مغايرة لأسئلة الفلسفة التقليدية، لتقوَّض جمالية "غطرسة ميتافيزيقا الذات" من أساسياتها، ويُثبَت أن الإبداع الفني مهما كان أسلوبه، صورة عاكسة ومعبرة عن حقيقة الوجود. وأتمثل هنا بدراسة مارتن هيدغر(2) للوحة فان غوغ " أحذية بأربطة ". (Les souliers aux lacets) ، الموجودة بمتحف Rijksmuseum بأمستردام. لكن تبقى الإشكالية قائمة ويستمر التساؤل مُلِحا: إلى أي مدى استطاعت لوحة الحذاء أن تجيب فعلا، عن إشكال هايدجر حول أصل العمل الفني في علاقته بأنطولوجيا الحقيقة؟ حسب هيدغر "أن الحقيقة تحدث في العمل الفني. بمعنى أن العمل الفني نفسه يُظهِر أشياءَ لم تكن تظهر. فالحقيقة كما يقول هيدغر هي "انكشاف وتستر، ظهور واختفاء، تحجب ولا تحجب، هي الحقيقة الثائرة على التصورات الفلسفية السالفة ملقبة إياها "بفلسفات التمثل"، من أفلاطون إلى نتشه، التي تقدم الحقيقة كمطابقة الفكرة للشيء". هكذا يكون هايدجر قد أقدم على معالجة الفن بأسلوب فلسفي سلك فيه اتّجاهاً مضاداً للفلسفات الجمالية السابقة عليه وحتى تلك المعاصرة له. لكن طرحه أثار عدة انتقادات، بعضها وصل إلى حد السخرية والضحك. فجاك دريدا يقول: "لماذا كنت دائمًا أجد مقطع هيدغر حول فان غوغ مثيرًا للسخرية. لقد كان شابيرو (3) محقا حين سماها سذاجة "الإسقاط"(4). لا نشعر بخيبة أمل فقط عندما تفسح الجدية الأكاديمية وصرامة النغمة المجال لهذه "الصورة"...لا نشعر بخيبة أمل فقط من اندفاع استهلاكي نحو محتوى التمثيل، ولا من ثقل الكلام المنمق، ولا من خلال التفاهة المعوزة، المشفرة لهذا الوصف، التي يصبح المرء، بسببها، لا يعرف بتاتا ما إذا كان مشغولًا بلوحة أحذية "حقيقية" أم أحذية خيالية توجد خارج الفن. لا نشعر بخيبة أمل اتجاه خشونة تحديد النطاق، أو تعسف وهمجية التقطيع، أو تأكيد شامل للتعريف: هكذا، "زوج أحذية ريفية"!، أين حصل على ذلك؟ إذن، نحن لا نشعر بخيبة أمل فقط، بل ننفجر ضحكا. انخفاض الجهد قوي جدًا"(5). إن الانتقاد الموجه للرسم التجريدي بأنه خالٍ من قيم الإنسانية، يدل على أننا لا نرى الأعمال المرتبطة بهذا التيار على حقيقتها. فحقيقتها تخفيها عن أعيننا مفاهيم مُستلَفَّة من مجالات أخرى... فاللوحة التجريدية تستحضر، بحدة، الفنان أثناء عمله، كما تستدعي لمسته، وطاقته ومزاجه، ودراما الاختيار في عملية الإبداع، فيصبح الذاتي موضوعا ملموسا... إن الفن التجريدي يتيح بلا شك تنوعًا كبيرًا في التعبير. فقد يمارسه العديد من الفنانين، بأنماط مختلفة، لكل منهم مزاجه الخاص – وهذا يكفي لتقويض فكرة افتقاره المزعوم للإنسانية. نحن ندرك الفرد من خلال الأعمال التجريدية بقدر ما نعترف به من خلال الأعمال التصويرية. وفي بعض الأعمال التجريدية، يكشف الفنان عن أصالة شخصيته بصدق وقوة مدهشتين... فاليوم يدفع الفن التجريدي الفنان إلى النظر بحرية أكبر إلى الإنسان والطبيعة كما هما، إذ أنه نوَّع طرق التصوير ووسع أمام الفنان أفقي الحساسية والإدراك. فالفن التجريدي، بجسارته وجرأته، أثبت اكتشافات الفن الذي سبقه، تلك الاكتشافات التي ما فتئت غير مُسْتَوْعبة. "من مسببات اللوم والعتاب الموجهين للفن التجريدي، لكونه فاقدا للإنسانية، أنه يميل نحو التهوين من أهمية الحياة الباطنية وموارد الخيال. فالذين يطلبون من الفن أن يكون انعكاسًا ومبررًا للطبيعة البشرية، سيضطرون مكرهين، لقَبول أعمال أفضل الفنانين المتحولين إلى تيارات جديدة، يرون فيها إثراء واضحا وضروريا لحياتنا". (إنسانية الفن التجريدي ـ مايير شابيرو Meyer Schapiro ، ترجمة: محمد خصيف) (6)
هوامش ومراجع: 1ـ في تاريخ الفن، الشكلية هي دراسة الفن من خلال تحليل ومقارنة الشكل والأسلوب. تشمل مناقشته أيضًا طريقة صنع الأشياء وجوانبها البصرية البحتة. في الرسم، تؤكد الشكليات على تكوين عناصر مثل اللون والخط والشكل والملمس والجوانب الأخرى للإدراك بدلاً من السياق التاريخي والاجتماعي. في أقصى الحدود، تفترض الشكليات في تاريخ الفن من حيث المبدأ أن كل ما هو ضروري لفهم عمل فني موجود في المنجز نفسه، دون اعتبار أي سياقات أخرى، بما في ذلك سبب إنشائه، والسياق التاريخي وحياة الفنان، أي أن الجانب المفاهيمي له أهمية ثانوية. 2ـ مارتن هايدغر، أصل العمل الفني، ترجمة أبو العيد دودو، ط 1، منشورات الجمل 2002 3ـ كان مايير شابيرو (23 سبتمبر 1904 - 3 مارس 1996) مؤرخًا للفن الأمريكي من أصل ليتواني، والمعروف أنه صاغ منهجيات تاريخية جديدة للفن تتضمن منهجًا متعدد التخصصات لدراسة الأعمال الفنية. خبير في فنون العصر المسيحي والعصور الوسطى والحديثة، استكشف شابيرو الفترات والحركات التاريخية للفن، مع إيلاء اهتمام وثيق للبناء الاجتماعي والسياسي والمادي للأعمال الفنية.يشتهر أسلوب شابيرو الأكاديمي بتغييره جذريًا في مسار تاريخ الفن، وكان ديناميكيًا وشارك علماءًا وفلاسفة وفنانين آخرين. أستاذ نشط، محاضر، كاتب وإنساني، له مراسلات مع الفيلسوف الألماني هيدجر في شأن أحذية فان جوخ. حافظ شابيرو على علاقة مهنية طويلة مع جامعة كولومبيا في نيويورك كطالب ومحاضر وأستاذ. 4 ـ في عام 1968، نشرت دراسة مايير شابيرو (The Still Life as a Personal Object. A Note on Heidegger and Van Gogh). ستؤدي المراسلات، من خلال نص متداخل، بين الفيلسوف ومؤرخ الفن، إلى إثارة جدل بات مشهورا، لدى الأوساط الفلسفية والفنية، كان الشاهد عليه، لوحة لفان جوخ، زوج من الأحذية رسمت في عام 1886. 5- J.Derrida, La vérité dans la peinture, Paris, champs-Flammarions, 1978, p. 334 6 ـ نشر هذا النص بالفرنسية بمجلة DIALOGUE ، الصفحة 44ـ46، عدد 50، 4/1980، وهو مأخوذ من مجلد "الفن الحديث، في القرنين التاسع عشر والعشرين"، من تأليف مايير شابيرو. 1960، الأكاديمية الأمريكية ومعهد الفنون والآداب، نيويورك، منشور رقم. 189 – الخطاب الملقى في الاجتماع السنوي، 20 مايو 1959، ونشر لأول مرة في "وقائع الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب والمعهد الوطني للفنون والآداب، السلسلة الثانية، 10، 1960، ص. 316-323.





تعليقات