top of page

فسحة مع مارتن ـ 4 / مقال للناقد محمد خصيف / المغرب ......

  • 10 أغسطس 2020
  • 3 دقيقة قراءة


ـ هل نلتقي غدا في قاعة المتحف لنتحاور حول اللوحة وهي حاضرة معنا؟ ـ أي نعم...نعم. أفضل هكذا بدل المغامرة بين أمواج النظريات العاتية. ولجت فضاء قاعة المتحف ورمقت شخص مارتن جالسا، كما التقيته أول مرة، غارقا في أيم تأملاته. سمع دفَّ خطواتي يتقدم صداه على أرضية القاعة المرمرية، فأدار رأسه يستقصي منفذ الصوت. رآني قادم نحوه، فقام لمصافحتي وهو مبتسم. ـ أهلا وسهلا. كيف قضيت ليلتك؟ جلست بجانبه، بعدما عاد هو إلى مجلسه ثم رددت عليه: ـ كانت ليلة رائعة، لكنها مليئة بالأفكار المزعجة. ـ أفكار مزعجة؟! لماذا هي مزعجة؟ لم يسألني عن نوعية الأفكار لأنه بفطنته ودهائه كان يعرف مقصده وقصديتي. كان سؤاله موجه بخصوص الكراسة التي أعطانيها والتي بقيتُ أتوجع بين أسطرها رَدَحا من زمن الليل، دون أن أصل إلى ما يشفي غليلي بخصوص ترجمته لحذاء فان غوغ. خاطبني بقوله، كأستاذ يسترجع خلاصة الدرس مع تلميذه: ـ لنترك الأحاديث جانبا ولنتحدث عن اللوحة التي أمامنا. قل لي بصراحة، كيف تجدها؟ ـ من أية ناحية؟ جماليتها، رمزيتها... ـ ألا تراها غريبة نوعا ما؟ ـ كل الأعمال تتوفر على قسط من الغرابة، والغرابة هي التي تشكل أصالتها. استوقفني فجأة: ـ لا تزغ بنا عن موضوع حديثنا. سبق وأن قلت لك إنني لا أفهم في الفن ولا أحفظ شيئا من تاريخه. فلا تلج بي عوالم قد أتعثر فيها. نحن الآن بصدد لوحة حاضرة أمامنا، نحاول بقدر مستطاعنا تأويلها. ـ قد يسقطنا التأويل في نوع من الفنتازم الذي تحدثنا عنه آنفا. فكثير من الخطابات هي كقرادة عالقة بجلد العمل الفني تمتص عصارة أليافه. أشار بأصبعه إلى اللوحة بحركة كأنه يرسم محيطها وقال: ـ غريب أسلوب فان غوغ هذا. ترك زوج الحذاء يسبح داخل فضاء اللوحة، كأنه يطير في السماء. أتعرف لماذا؟ ـ لماذا؟ ـ لأنه يريد مني ومنك ومن الآخر أن ينتبه إلى أصالة الحذاء ونوعه. أما لو أحاطه بأشياء أخرى، فستلتهمه ويفقد رمزيته، وتصبح تلك الرمزية مرتبطة بالسياق الذي وضع فيه الشيء. هكذا حدد كينونة الشيء المرسوم دون غيره. ـ سنرجع ثانيا للحديث عن الكينونة وتبعاتها! ـ لا مناص من كذا رجوع! لوحة فان غوغ تكشف لنا عن حقيقة بعينها. ليست الحقيقة بمعناها المعتاد، أي "مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان"، بل الحقيقة المتأسسة على ثنائيات الظهور والتخفي، التحجب والانكشاف. فلا تفكر يا بني إطلاقا في التصور الكلاسيكي للزمان. ـ لكن ألا تكشف لوحة فان غوغ عن حقيقة مبنية على التصور الكلاسيكي للزمان؟ تكوينها، أصلا مبني على طريقة كلاسيكية، إذ اللوحة كنافذة مفتوحة على عالم. يحدها إطار...وهذا أعتبره من بقايا التراث الأكاديمي الذي لم تنجح الحداثة الفنية، قبل القرن العشرين في التخلص منه، أعني أن فناني تلك الحقبة بقوا سجيني المنظور الأقليدي في تكويناتهم للفضاء التشكيلي، هذا عكس التكعيبيين الذين تخلصوا منه بالمرة وخلقوا فضاءات جديدة. ـ يا بني أنا لا أستوعب ما تتحدث عنه. ـ وأنا أيضا لا أستوعب أفكارك، التي أجدها أضغاث أحلام ليس إلا. ـ فنتازمات؟! ـ قل ذلك. ـ طيب. لنحاول أن نجد لنا خطوط نتوافق عليها. اختلافنا فيه منعفة للمضي بالنقاش إلى أقصى حد. لا نتوقف ونقفل السكة بالمرة. ـ اللوحة التي أمامنا، تنتمي إلى أسلوب وسياق الطبيعة الميتة. فهي تعطينا صورة وجهية وحيدة للشيء المرسوم (الحذاء)، لكن تعدد اللوحات التي خصصها فان غوغ لموضوع الحذاء تجعلنا نراجع الحقيقة التي تراها غير مبنية على التصور الكلاسيكي للزمان. تبقى لوحة الحذاء من نوع اللوحات/النافذة Windows Picture المفتوحة على العالم من واجهة واحدة فقط. وكونها كذلك فهي لا تعرض حقيقة الموضوع، وإنما تمنح صورة كما رآها الفنان، نظرة ذاتية للشيء المرسوم. فقراءة اللوحة وتأويلها قد يحيلان على مرجعيات تنتمي إلى الجمالية الكلاسيكية التي تحاول الابتعاد عنها. فاللوحة رغم كونها تنتمي إلى عصر الحداثة الفنية الأوروبية، تبقى خاضعة لمعايير التمثيل الأفلاطوني Mimesis. فما قدمه فان غوغ هي صورة مشوهة لصورة ناسخة لصورة حذاء (نكرة) التي هي بدورها صورة من بين صور شتى لحذاء مثال (متواجد في عالم المثل) حسب تعبير أفلاطون. ـ قلت إن فان غوغ رسم لوحات أخرى لنفس الموضوع!؟ الحذاء... ـ نعم...له ثمان أو تسع لوحات أحذية. ـ أين توجد هذه اللوحات؟ هنا بهولندا؟ ـ لا. في متاحف عبر العالم. ـ غريب! لم أسمع بهذا من قبل. ـ وما الغرابة في الأمر، وأنت الذي قلت إنك لا تهتم بالفن ولا بتاريخه. ـ معك حق. لكن الكمال لله. أنا لست بالميسور الذي يمكنه تتبع المعارض والسفر إلى حيث المتاحف، إضافة إلى أن لي اهتمامات أخرى تأخذ من وقتي الكثير. قل لي: هل تعرف لمن هذه الأحذية؟ ـ في كراستك أنسبتها إلى فلاحة، وبررت طرحك الغريب بألوان التراب المهيمنة على نغمات العمل الكروماتية، وبدا لك أن بقايا طين عالقة بالحذاء. ـ هي كذلك. ـ النقاد لا يتفقون مع فكرتك ويرون غير ما قلت... اقترب مني مرتبكا، ويده ترتعش وسألني بصوت خافت: ـ النقاد! أي نقاد؟ أعطني أسماءهم...أين قرأت ذلك؟ ـ مهلا مهلا ياصديقي. سأكشف لك عن كل شيء. يتبع.

 
 
 

تعليقات


Drop Me a Line, Let Me Know What You Think

Thanks for submitting!

© 2023 by Train of Thoughts. Proudly created with Wix.com

bottom of page