top of page

فسحة مع مارتن ـ 6 / مقال للناقد محمد خصيف / المغرب ,,,,

  • 13 أغسطس 2020
  • 3 دقيقة قراءة


دار نحو هنية وتابع حديثه معها: ـ ابحثي عن هوية هذا الشخص، فقد كتب ناقدا مقالتي حول أحذية فان خوخ. وحاولي أن تحصلي على هاتفه أو عنوانه كي يتسنى لي الاتصال به. استغربت الأمر، فسألته: ـ هل ستتصل به شخصيا؟ ـ أو بمنظم البرنامج، مرق الثقافة. يجب أن نتناول جميعا من ذلك المرق. (ضحك) هل ستشاركنا الوليمة؟ ـ ولم لا! غادرتنا المرأة على عجل بعدما سجلت أوامر مشغلها. أشار إلي مارتن بيده كي أتبعه إلى السلم طبق العلوي. اتخذت مجلسي بنفس المكان الذي جلست به البارحة، بينما راح مارتن يقلب محتويات دُرْج مكتبه وكأنه يبحث عن شيء بعينه. بقيت أنا أترقب حركاته العنيفة اتجاه الأوراق، يخرج بعضها، ينظر إليها بسرعة ثم يرمي بها داخل العلبة الخشبية. حاله تثير الشفقة. فمنذ أن أخبرته عن سلوك الناقد اتجاه دراسته وأطروحته حول حذاء فان خوخ، وهو فَائِراً مِنَ الْغَضَبِ، صَائِحاً، صَاخِباً. حتى المرأة المسكينة يبدو أنها اكتهلت بسبب تصرفاته القاسية أحيانا نحوها. أثارت صورتها فضولي وحاولت أن أستقصي بعض ما خفي من علاقتها مع مارتن. ارتمى مارتن على الأريكة التي أمامي ليرتاح من تعب البحث المضني دون جدوى. اغتنمت لحظة سكونه فبدأته بالكلام مستفسرا إياه عما كان يبحث عنه. رد علي ورأسه مازال ملقى على سند الأريكة: ـ لا أدري أين ضاعت مني ورقة كنت قد دونت عليها ملاحظات مهمة حول الرسام فان خوخ. ـ لم لا تسأل السيدة...؟ ـ هنية. اسمها هنية ـ آه! السيدة هنية. ربما تكون قد وضعتها في مكان غير المكتب هذا. ـ لا! هنية رغم أنها بمثابة أمينة أسراري، لا أسمح لها بالقرب من مكتبي الخاص، وهي تتقبل ذلك بصدر رحب. ـ أراها مهتمة بك وتنفذ أوامرك وطلبياتك بخنوع شديد. ـ أنت لا تعرفها. المسكينة...ضاعت أيامها وضاع منها كل شيء منذ أن تعرضت للاعتقال. تساءلت مستغربا: ـ الاعتقال! هل مرت من السجن؟ ـ بسبب أفكارها. كانت سجينة رأي كما يقال. ـ كيف ذلك. أريد أن أعرف المزيد. ـ تراها هكذا ولا تظنها حاصلة على الدكتوراه بميزة عالية. ـ حاصلة على الدكتوراه؟ و...تشتغل عندك. أقصد معك؟ ـ كمستشارة ومساعدة. ـ وما سبب اعتقالها؟ ـ أفكارها. كتبت مقالة انتقدت فيها وزارة الفكر وتعظيمها لنتشه وأفكاره. أنت تعرف أن كتب نتشه أصبحت دستور النظام القائم وأن الرئيس أقام له تمثالا هائلا في ساحة النصر، وقبالة الساحة متحف خاص. بنتشه يضم كل مخلفاته. فلا أحد من المثقفين والمفكرين يجرؤ على انتقاد نتشه. السيدة هنية كانت من المعارضين للمشروع النتشوي، لا أقصد المشروع من جانبه الفلسفي، ولكن توظيفه كمطية لأغراض سياسية. مارست الصحافة ومعروفة بعملها في النشاط السياسي والشمولية والحداثة وفلسفة التاريخ. ـ هي لا تبدو كذلك! ـ ضاع منها كل شيء. وأصبحت قابعة داخل غرفتها الصغيرة لا تغادرها إلا لتلبية مطالبي. ـ غريب أمر المرأة هاته! هل لها كتابات فلسفية؟ ـ هي تقرأ كثيرا. تتوصل عبر البريد بعدد من المنشورات. لا تغادر البيت أبدا. ـ هل يمكننا أن نجالسها نستمتع بالحديث معها؟ ـ لن تسمح بذلك. أنا بدوري لم ألج غرفتها قط. كانت لها اهتمامات سياسية وتظن أن الفلسفة هي هروب من السياسة. حينما يفشل الشخص سياسيا، تجده يلجأ إلى الفلسفة، بينما الذي نجح في سياسته يرتكز على الأفكار الفلسفية، يحورها لصالحه حتى ينهض عليها. هذا ما فعله النظام الهتلري مع نتشه. هنية انتقدت هذا التوجه بشدة ونشرت ذلك في الصحافة ومن تم وجدت نفسها في صبيحة يوم أسود بين معاطف الغيستابو. قضت في السجن بمعسكرات الاعتقال، ثماني سنوات كلها عذاب ومحنة قاسية ومجاعة. هنية امرأة قوية، لو كانت في بلد آخر لكان لها شأن مغاير. لها أفكار تقدمية حول الظاهرة الشمولية التي تعتبرها شرا سياسيا ينبني على ترهيب البشرية وترعيبها، في غياب الأخلاق والشيم النبيلة. فهي تعتقد أن الشر لا يكمن في الاستثنائي بل في الأشياء الصغيرة، فأضحى روتينا يوميا في ارتكاب أخطر الجرائم. ـ وكيف أوصلت أفكارها النيرة هاته إلى العالم وهي لا تغادر البيت؟ ـ كنت أنا من يتكفل بنشر نصوصها تحت اسم مستعار. أثارت أفكارها حول ابتذال الشر جدلًا كبيرًا في الأوساط الثقافية والسياسية، حتى خارج البلد. واعتبرت الفكرة بمثابة دعوة لإعفاء الطغاة من جرائمهم، لكن هنية عارضت هذا التفسير وردت عليه بمقالات مطولة. وترى أن أفكارها، تُحور معانيها لحاجة في نفس يعقوب، كما حُورت أفكار فردريك من قبل. ـ السيدة هنية هاته، تراجيديا فكرية تزحف على سطح الأرض. كم تمنيت الجلوس إليها والاستمتاع بحديثها! يتبع...

 
 
 

تعليقات


Drop Me a Line, Let Me Know What You Think

Thanks for submitting!

© 2023 by Train of Thoughts. Proudly created with Wix.com

bottom of page