قصة_قصيرة/ من احوال المغتربين / يسري ربيع داود/ جمهورية مصر العربية ,,,,,,,,,,,
- 1 يوليو 2020
- 2 دقيقة قراءة
ممرضٌ انا في احد المستشفيات في الرياض.. لا يهم جنسيتي.. لكني هنا في الرياض منذ فترة كبيرة.. قابلت فيها كل المواقف.. منها المفرحة ومنها المؤلمة.. اعتبر نفسي مؤرخا لأحوال المغتربين.. فمعظم المرضى من الغرباء الذين ساقهم قدرهم وفقرهم وطموحهم وإن شئت فقل طمعهم أو أن الشيطان قد غرّر بهم.. فتركوا أوطانهم ليسكنوا وطنا يعيشون فيه المرارة.. وانا منهم بالطبع.. لا أنسى في خضم تلك السنوات حالة من حالات المغتربين الصعبة.. إنه مغترب عربي أتى إلينا في وقت قد أعلنت الطبيعة عن غضبها الشديد.. الكل يرتجف وخائف.. يرتجف من البرد ويخاف من سخط الطبيعة.. إلا أن هذا المريض قد دخل إلينا بلا وعي.. محمولا على أكتاف الأصدقاء ومن خلفه زوجته تجر خلفها صمتا يرفض كل شيء.. يرفض حتى سخط الطبيعة ومراجل البرق.. ومكائن الرعد.. في قلبها آهة لو خرجت لقلبت كل شيء رأسا على عقب.. تقدمت بسرير الطواريء المتحرك لآخذ المريض الذي لا يبصر ما حوله من أهوال.. نظرت إلى أصدقائه فلم اسمع منهم سوى همهمات.. احس انهم يتمتمون بالدعاء لله، فعسى أن تكون ساعة إجابة.. خرج إلينا طبيب الطوارئ ليدخل إلى غرفة الإنعاش القلبي.. أغلقت دونهم الباب.. قد كانوا أربعة أفراد.. بعدها بقليل خرجت لأخذ بعض الأدوية فوجدت أن الطواريء قد امتلأت.. إنه لأمر جلل.. أغلقت باب الحجرة وبدأ الطبيب في إنعاش القلب.. جسم المريض يتحول إلى الاصفرار.. يبدو أن الأجهزة لا تسعفه.. انظر إلى الطبيب ومن لهجته أحسست انه من بلد المريض، انزل الطبيب الكمامة من على فمه.. وبيده أسدل الستار على وجه المريض لينتهي دوره في مسرحية الحياة.. خرجنا فتجمع حوله الأصدقاء.. بلهفة.. بشوق لمعرفة شيء واحد ولا ثاني له.. لا يتحملون غيره.. يريدون حدوث المعجزة التي كانت الوجوه تستبعدها ولكن القلوب تتعلق بها.. نطق الطبيب بغير هواهم.. فانكفأ كل منهم على وجهه.. وفجأة أحسست صوتا هو أقوى من الرعد وأوضح من البرق وأشد في انسيابه من انسياب المطر وأشد في غضبه من غضب الطبيعة.. انه صوت الزوجة التي رفضت الصمت وهامت على وجهها تقلب كل من يقابلها كالريح العاصف.. صوتها يشق المكان ويعلن غضبة شديدة.. أعلنت أنها فوق الطب وفوق الطبيعة.. أعلنت أنها المسيح الذي يحيي الموتى.. وعليهم أن يتركوها فهي تعرف كيف تحيي زوجها عندما يعجز الطب عن ذلك.. قوتها في دفع من يواجهها جعلتها تصل إلى زوجها.. حركته بقوة.. نادته بأحب أسمائه.. ناشدته الله أن يقوم ليكمل معها ما بدؤوه.. فالطريق ما زال طويلا.. والأولاد ما زالوا صغارا.. والحمل عليها ثقيل.. لم تجد منه حراكا.. ولم تجد ممن حوله مساعدة على تلك الفاجعة.. لم تجد من حولها إلا ولدها.. احتصنته بقوة وكأنه العكاز الذي ستعتمد عليه باقي حياتها.. خرجت من المشفى تجر اذيال الخيبة.. وتركتني لاكمل دوري في إرسال زوجها خلفها في صندوق خشبي.. أحسست وانا اجهزه بخيبة امل..وعرفت وقتها أن حياتنا مسرحية تنتهي باسدال الستار على وجه الذي ينهي دوره. #يسري_ربيع_داود #مصر





تعليقات