top of page

مصير فنان (2) / مقال للناقد والتشكيلي / محمد خصيف/ المغرب ......

  • 20 أبريل 2020
  • 3 دقيقة قراءة


دقات طبول کناوة، ورنين أجراس الگرابة المتنقلين بين دروب المتاهة التي رسمتها حلقات الساحة الشعبية. اصوات الإيقاعات الصادرة من كل جانب، الدواخن الصاعدة نحو السماء الزرقاء مكونة ضبابا خفيفا كسديم الصيف، الشخوص المختلفة الأشكال والأحجام والألوان والسلوكات والسير، تلك هي ساحة جامع الفنا التي وجد كبور العبسي نفسه متسمرا بوسطها، كأنه خر من عل. وقف وبيده حقيبة البلاستيك البيضاء وهو لايفتر عن الالتفات وكأن رأسه رقاص ساعة. حار من أمره... يقول في نفس خاطره ربما أن السيدة النصرانية انصرفت بعد طول انتظار...يعود اليقين ينتابه حينما يخطر بباله أن آذان العصر ركب جعجعة المكان منذ مدة قصيرة،مما يثبت له أن موعد الخامسة لم يحن بعد. شعر بالزمان يتمدد، ووَصَّمَ التعب جسده النحيف، فلم تعد مفاصله تتحمل أوقه، ولإنعاشها وجعل الدم يسري في عروقها، كان يرجرج ركبتيه وساقيه متتبعا أنغام عبيدات الرما المتحلقين غير بعيد منه: أوليدي طالت مدة غيابك... فين مشيتي ونا متسنياك. شعر بغثيان يختلط وريقه ليصعد إلى أعلى حلقومه، يدغدغ لوزتيه، وزاد من هيجان حموضة معدته الأوار المتصاعد من على المناضد المنتشرة في كل مكان...من يراه من معارفه يظنه مضربا على الافتراش... هيئة وقوفه وسكونه الأصم، وبصره المتمددإلى ما وراء الرؤوس... إطالة الوقوف ليس من عادته، حتى أمه العجوز تتفادى إتعابه لأنها على بينة من انهواء صحته المتزايد. - بونجوغ...سڤا... التفت كبور ليبدو له شخص باولا وراءه، تعلوها ابتسامة التوريست. مدت يدها إلى الميكة التي بات يشد عليها بقوة حتى بصمها عرق أصابعه. لم يشعر كيف انتقلت الحقيبة إلى المرأة وصارت الأوراق البيضاء، الجديدة على مريدي الساحة، تفوح ألوانها وتتطاير أشكالها خارج البلاستيك. - آه! إنها رسومات رائعة! إلا أنك اقتصدت في الألوان، ربما أن النقود التي أعطيتكها لم تكف. أليس كذلك؟ حرك رأسه معلنا الإيجاب. بينما هي تتصفح الأوراق لتتأكد من عددها... خمسة رسوم من قياس Format raisin. أشارت إليه ليتبعها فتحركت مخترقة الصفوف، قاطعة مسالك المتاهة دون أن تعير أي اهتمام للدراجات الهوائية التي تتقاطع معها من حين لآخر حتى توقفت بباب مكتبة الغزالي المشرفة على الساحة بواجهتها الزجاجية ويافطتها الملونة. درفت الباب وتوجهت نحو الكتبي: - من فضلك أعطني علبة گواش، وفرشتين وعشر ورقات رسم بيضاء. - أي نوع من الصباغة، مدام؟ رد البائع. أخرج من تحت الكونطوار الزجاجي أربعة أنواع متوسطة الجودة والكلفة. - لا ليست هذه الأنواع... أعطيني موان شير من فضلك. انحنى البائع وأخرج علبة بيضاء تحتوي على اثني عشر لونا، فوضعها أمامها. كانت صباغة أطفال... - كم ثمن هذا كله؟ - مائة درهم، مدام. أخرجت حقيبة النقود وأدت الثمن ولفت بضاعتها ثم خطت نحو الباب. - ميرسي... كبور viens ! اتخذا مجلسهما بالمقهى المجاور للمكتبة. نظرت إلى كبور مبتسمة وأخرجت ما في حقيبتها من أوراق بنكية، أعطته بعضا منها بعد أن أعدتها ثم بادرته قائلة: - ثمن الرسومات خمس مائة درهم، اشتريت هذه الأدوات بمائة وبقيت لك أربع مائة. أخذ كبور النقود وابتسامة تنم عن القلق والفرح والسخرية تعلو وجهه. - حاول أن ترسم على هذه الأوراق وأن تستعمل الألوان بغزارة... فأنا أحب الألوان... إنشلاه، أنظم لك إكسبو خارج مراكش... يحضرها ناس كثر ورجالات دولة وشخصيات... هي تتكلم بنبرتها الرقيقة ولغتها التي تقبض بخبث على بعض المفردات الدارجة كي تسهل عليه الفهم، وباله يطوف به في عالم خيالي، ربما سيتخذه من مواضيعه المقبلة... السفر خارج مراكش!... هو الذي لم يقطع أبدا مسافة تفوت الخمسين كيلو... زار مولاي إبراهيم ليستبرك بأثواب تابوته الخضراء، وسافر إلى تحناوت ومولاي عبد الله بنحساين، والسنة الماضية رافق أمه لتستشفي بتابوت سيدي رحال. هو الذي لايعرف من المدن البعيدة عن مراكش إلا الرباط، التي اعتاد مشاهدة بعض صورها على شاشة تلفزة مقهى الحي. وسمع القليل عن البيضاء وطنجة. إلا أنه على اتصال بأحد أصدقائه الهيبيين بمدينة الصويرة، علاقته به النفحة والكالة... ينقطع عليه شريط أحلامه وذكرياته، حينما تندفع إلى مسامعه نبرة صوتها الرقيق: - ستربح فلوس كثير...وتكسب شهرة... وتتسابق مجلات العالم على نشر صور أعمالك... ونربح معها الكثير... سترى بأم عينيك... وتنزل في الأوطيلات الفخمة... ويكتب عنك نقاد عالميون...وصحافيون مرموقون...وستسعد أمك حين تراك في التلفاز... ستكون إنشلاه أكبر فنان مغربي... كل هذه الأشياء التي درجت على لسانها لا يعرف عنها شيئا ولا وجود لها في قاموسه الحياتي، اللهم ما تعلق بالصحافة والتلفزة... تلفزة مقهى الحي. قطع عليها حديثها وتصاويره اليوتوبية صوت بوق سيارة فخمة من نوع شوفرولي، توقفت أمامهما. أشار إليها السائق بيده فانتصبت واقفة ولسانها يردد: - A demain. Demain... Ici. استقلت السيارة التي امتصتها بلبلة الازدحام وضجيج الساحة.

يتبع

 
 
 

تعليقات


Drop Me a Line, Let Me Know What You Think

Thanks for submitting!

© 2023 by Train of Thoughts. Proudly created with Wix.com

bottom of page