top of page

مصير فنان (3) / مقال للناقد محمد خصيف / المغرب .........

  • 15 أغسطس 2020
  • 3 دقيقة قراءة




جاء الغد بأفراحه وأقراحه، وجاء موعد لقاء شرارة المستقبل التي مازالت خامدة تتجاذبها أفكار شغلت بال كبور طيلة الليلة الماضية التي قضاها بين أوراقها البيضاء المنشورة على الحصير، ليلة قضاها وآذانه مستمتعة بشخير أمه الذي لم يتوقف حتى قطعه صوت مؤذن الفجر. كبور لم يبال بالأذان، فما يهمه هو تجسيد مايروج في مخيلته من تصاوير بعضها كان الواقع موحيها وبعضها الآخر تتناسل فوق وسادة الحلفاء التي طلقها رأسه هذه الليلة. الأوراق البيضاء ذات المساحات الشاسعة التي لم يتعود الرسم عليها وشخير أمه المتنقل نغمه بين الأنف والفم الأدرد، والنور الباهت الصادر من مصباح الأربعين واطا. فرغم أن كبور يعيش وأمه مستقلين بمنزلهما الذي ورثاه عن أبيه، فالعيش الضغين وقساوة الحاجة لم يسعفاهما لاتخاذ إنارة مستقلة، إذ الجارة صاحبة عداد الكهرباء سمحت لهما بمصباح واحد فقط وأن لا يتعدى واطه الأربعين، ومن تم ألف كبور قضاء ماتبقى من الليل إما في سمر مع بعض الرفاق بمقهى الحي أو وحده متلحفا العتمة حين ينقلب البدر عرجونا. مر الليل بقساوته ومجمل اليوم التالي بآماله وآلامه ولم يدر كبور كيف وجد نفسه بمقهى الأمس، أوراقه الملفوفة تنتظر مصيرها عساها تتخلص هي بدورها مما عانته طيلة الليلة الماضية. جلس يحتسي قهوته دون أن يتذوق طعمها ولا أن تنفذ رائحتها إلى أنفه مع أن البن عبق المكان. نهك الهم باله وركبت الأحلام فكره فأغلقت جميع حواسه حتى ما عادت تنفذ إليها الروائح ولا الأصوات. ما يدور بباله حاليا هو شريط الأمس وخيال باولا يصف له مشاريع المستقبل، المعارض والأسفار والفنادق الفخمة والصحافة والميداليات وشهادات التقدير والمشاركة والاعترافو... شفتا الوجه المتجعد لاتفتران عن الحركة، تصل إليه نبرات أصواتها مرة وتغيب عنه مرات ومرات. علا فضاء اليوتوبيا صوت النادل يخاطبه: - اسمح لي، هل أنت رسام؟ رسام؟... رسام... كلمة اعتراف، أول مرة يسمعها... صفة أول مرة تلتصق به... كبور العبسي رسام! حتى باولا تحدثت عن رسومات قالت إنه اقتصد في ألوانها، ولم تقل له أبدا إنك رسام. - نعم، أنا رسام، رد على النادل. كان سيرد عليه: أنا أرسم. لكنه استعاض عن أنا أرسم ب أنا رسام. ولماذا لا؟! إنه رسام بالفعل، رسام مبدع...وذهب بعيدا لدرجة التفكير في الاتصال بمقدم الحي ليطلب منه شهادة عمل يثبت من خلالها مهنته الجديدة... أنه رسام...يحملها بطاقته الوطنية بدل "بدون"التي التصقت به كقرادة كلب. - هل لي أن ارى رسومك هذه؟ تساءل النادل. - نعم، هاهي. بسط النادل الورقات البيضاء يتأملها وهو يهز رأسه. - جميل... رسومات جميلة... لم يسبق لي أن رأيت مثلها. بات كبور يتابع حركاته وتعليقاته ولسان خاطره يردد:" وماذا بعد؟ شهادة صادرة عن إنسان بسيط مثلي... عن نادل مقهى. أينك أيتها الگاورية لتسمعي الإطراءات والاعترافات والشهادات؟ فين راكي دابا؟" أثارت الصور الملونة انتباه زبون كان جالسا خلف مقعد كبور يرشف شايه المنعنع ويتابع عن كثب ما يجري بين النادل وجليسه. لم يشعر إلا وهو منجذب وراء الألوان والشخوص الملتوية المحلقة كتنينات أسطورية صينية ذرفت ساحة جامع الفنا. انتصب واقفا كسارية فرت من تحت سقف الكتبية. كان طويل القامة، نحيفا، لبسته كسوة سوداء تبدو عليها أناقة. غليظ الرأس، ضيق العينين، أفطس الأنف. وبدون إذن سابق، أخذ إحدى الصور وأًناها من نظارتيه الشفافتين يتفحصها عن قرب. - جميلة هذه الأشياء! أنت رسمتها؟ - نعم. أنا. أجاب كبور بعزة وأنفة. جر كرسيه واقترب من كبور وسأله بصوت خافت: - بكم تبيع هذه الرسوم؟ أعجبتني وأنوي أخذها منك... إذا كنت ستبيعها طبعا. طلع أذان العشاء منذ مدة، وغاصت الساحة في ظلمة تخللتها أنوار مزركشة أضفت عليها رومنسية عبقتها نسائم الربيع. باولا لم تأت. وكبور صرف كل ما تبقى له من قروش الگاورية. وهو يتفحص وجه الرجل الجالس أمامه، انتابته الأفكار الحميمية من جديد: أمه و النفحة والكالة ولعشيوة ... بتر صوت جليسه شريط تفكيره التائه وهو يخاطبه: - بكم تبعني هذه الرسوم؟ سآخذها كلها. اخترقت عينا كبور بؤبؤي الرجل وكأنه يحاول الكشف عن نواياه. تذكر باولا وتصرفها معه ووعودها وهندستها لمستقبله، لآماله. لم يسبق له أبدا أن خان عهدا قطعه على نفسه، أو خدع... أو استغل طيبوبة أحد. لف أوراقه ورد على الرجل وهو يستعد للرحيل: - ليست للبيع... الرسوم ليست للبيع.

 
 
 

تعليقات


Drop Me a Line, Let Me Know What You Think

Thanks for submitting!

© 2023 by Train of Thoughts. Proudly created with Wix.com

bottom of page