مصير فنان (4): وعد مخلف/ للناقد والتشكيلي / محمد خصيف / المغرب ........
- 24 أبريل 2020
- 2 دقيقة قراءة
محمد خصيف
مضى أكثر من شهر وكبور الرسام يأتي كل عشية إلى نفس المقهى متأبطا لفافة ألوانه، وقد بليت جنباتها وتآكلت بسبب تواتر اللف والدوران. الگاورية باولا غابت تماما عن الأنظار ولم يعد يعثر لها على أثر. لم تترك له أي وسيلة اتصال، لارسالة ولاهاتف ولاعنوان ولا كارت فزيت، حتى الفندق الذي كانت مقيمة به لايعرفه. باولا التي بنى عليها أحلامه وأصبح يرى في وجهها المتجعد منقذه من بؤسه وآلامه التي بات يتوسدها طيلة طفولته وشبابه. باولا التي جعلت رسومه تغادر فضاء المدينة الحمراء، وترفرف طيورها الأسطورية مغادرة عالمها الميتافيزيقي السرمدي، متحررة من قيود فضاء الأحلام واليوتوبيا...تغادر جنانها الفردوسية، المورقة، المُورَّدة لتحط الرحال داخل فضاءات تشع نورا وبهجة صباحا ومساء، ليلا ونهارا، يستضيفها رويجلات مربوطو الأعناق ألف كبور مشاهدة أطيافهم تعكسها شاشة مقهى الحي. لماذا تخلت عنه وتركته وحيدا يقاسي الأسى والمضض، تنهش جسده النحيف الآلام الموجعة وتنخر قلبه الهش ضغوط النفس الأمارة التي تدفع به الى فعل كل شيء ولاشيء، هو أصلا غير راض عن فعله. باولا تركته ضحية شفقة النادل الذي أكسبه صحبته وتوسط له عند معارفه من بائعين ومرشدين سياحيين عساهم يمدون له يد العون وينقذونه من بحور المعاناة الشديدة التي يُمَّ فيها منذ صباه. نفسه الأمارة كثيرا ما أملت عليه فكرة التخلص من الورقات البيضاء ببيعها في أول فرصة، وكم هي كثيرة تلك الفرص، وكم هم موجودون كالبق والبعوض أولئك الذين يتحينون مثل تلك الفرص. الفرصة-الهمزة. باولا نفسها تركب الهمز، وهيئتها كهمزة بلا وصل. وجدت كبور همزة مكسورة، سهلة الامتطاء، لكنه لم يشعر بعد بثقل حملها على ظهره. تقدم منه النادل الشاب وخاطبه بنبرة ملؤها الشفقة والحسرة: - أراك أطلت الانتظار ياأخي، الگاورية لن تأت، ها قد مضى قرابة شهر على جلوسكما هنا، وأنت غاد رائح. نصحتك ببيع تلك الرسوم، وربما سترسم اخرى وأخرى وأخرى وتبيع الكل. راسك قاسح ألخوادري. رماه بنظرة تعجب ولسان حاله يردد: لخوادري! تلك الكلمة التي لم تطن بمسامعه منذ هجر مقهى الحي ووَتَّدَ عالم أحلامه هنا. وجد كلمة لخوادري دخيلة على عالمه الجديد الذي تقف على عتبته باولا. لخوادري كلمة من أصل قاموس النفحة والكالة والعجوز المقوسة الفَرْمَاءُ. فهي تتماشى ورسومه القديمة التي كان يفترش بها الساحة إلى جانب حلقة عبيدات الرما، ذلك الموضع الذي ترامى عليه باعة الخودنجال بعد أن غادره هو دون استئذان. أسدل الليل ظلمته وركبت أطراف الساحة قشعريرة الأنوار وهَدَّت العتمة الصخب الذي ظل يملأ السماء كغيمة ممطرة تطرق آذان الزوار. لم يعد كبور الرسام يتراءى أمام عينيه سوى سراب الحافلة 23 لتوصله إلى الحي. الحي الذي ينتظره بشوق ولم يخدعه أبدا كما فعلت الگاورية. حيه الحاضر في كل حين، كلما اشتد به الضيق وجد من يواسيه ويخفف عنه ضغوطه النفسية، زملاؤه في المقهى والحاج علي صاحب الدكان الذي يقترض منه ما هو في حاجة إليه من سكر وشاي وبن وحتى بعض الدريهمات. ولولا سخاء الحاج علي ماكان ليفوز باحتساء قهوة الساحة مشرفا على هذا المنظر البانورامي الساحر الذي ألف بين الصوت والصورة كأنه شريط سينمائي أوحي من زمن مبروكة الجميل. لم لفافته الورقية وأدى ما عليه وانسحب وذهنه لايفتر عن عرض صور باولا الگاورية وصوتها يحدثه عن المحطات المستقبلية التي سترسو فيها مركبته الهائمة.





تعليقات