مصير فنان (8) مقال أول/ للناقد والتشكيلي / محمد خصيف/ المغرب ,,,,,,,,
- 25 مايو 2020
- 2 دقيقة قراءة
تحلق كبور وثلاثة من رفقاء الحي يتابعون مباراة كرة القدم تجمع بين فريق البلدة البهجاوية والفريق الزائر من الشرق. ضج المكان وران عليه جو يملؤه هدوء وسكينة شاردة تارة، وتارة أخرى ترجف الحيطان ويزلزل بلاط الأرض بفعل القفزات والضرب على الكراسي والمناضد. غمرت القاعة سحابة رمادية، داكنة، تعلوها إذاقات مرائر يستشفها الثائرون المنتفضون، كأنها عَبَقٌ زكيٌّ...أريج طيب. كسر من حًدة الجو الغائم وهيجانه صوت غلام غيداق ينادي على كبور دون أن يلج باب المقهى: - خويا كبور. خذ هذه الجريدة. أعطانيها الحاج صاحب البقالة. ترك كبور جو المقهى الساخن وتوجه نحو الغلام ليتسلم الصحيفة. كانت صحيفة الراية المعروفة لدى قاطني الحي من الشباب الذين ألفوا تصفحها كل يوم، قلتهم تسجل إعلانات التشغيل، وكثرتهم ملت الاستقصاء بين السطور، فخَلَدَوا إلى تعمير الشبكات المرقمة. فتح الجريدة يتتبع عناوين الصفحات، سياسة، اقتصاد، اجتماعيات... ثم توقف على الصفحة الثقافية ليكتشف صورة لإحدى لوحاته وقد أحاطت بها أعمدة متن طويل. اقتفى سطوة الجمل وإيقاعات الكلمات عله يستوعب دلالة ما دونه الكاتب، بعض الكلمات استساغ فهمها وبعضها استعصى عليه استيعاب مقاصدها. خُتِم النص باسم دافيد موشي. عاد أدراجه إلى المقهى وقد ران عليها هدوء بعدما انتهى الشوط الثاني من المقابلة، وغادر القوم كراسيهم. التحق برفيقيه اللذين بقيا قابعين في ركنهما، يرشفان ويدخنان ويبخان الجو العكر بما جادت به أنفاسهما من عبير الشيشة المنصوبة بين أرجلهما، وأعاد تفحص الصفحات وقراءة المقال من جديد. مال نحوه جالساه ليشاركاه نشوة القراءة. تراجع صديقه الدِّرفاس صاحب الردفين المكتنزتين وخاطبه بصوت به بُحاحٌ: - تبارك الله علا خويا كبور... الجورنان تاني!... إوا من الجورنان للتلفزيون!... إوا الگاورية أو مادارت! عنداااك تنسا خوك؟ دبر علي فشي تحريگة واخا بين الروايد. غار كبور بين سطور المقالة دون أي مبالاة لما يجري حوله. فقد هَامَ بجريدته هُيامًا ولم يصح من عشقه إلا حين أتاه هاتف من وراء الكونطوار: - كبور... التلفون... تخلص من الأوراق التي بيده وهب مسرعا ليستلم السماعة السوداء المتآكلة من يد النادل، الذي سحبها إلى صدره قليلا وخفت إليه بصوته: - الرقم من الدارالبيضاء... كازا... أخذ كبور السماعة ورن في أذنه صوت دافيد: - ألو... مسيو كبور. أنا دافيد، كيف وجدت المقال الذي كتبته عنك؟ إنه منشور اليوم بجريدة الراية. هو نفسه الذي سيقدم كتالوگ المعرض. لاحظ أنني لم أتحدث عنك وعن حياتك واكتفيت بقراءة أعمالك وتأويلها، تلك التي بعتها لباولا...آه لو رأيتها مكسوة بحلات من الزجاج ومحاطة بإطار خشبي لامع... كم هي جميلة... مغرية...كل من رآها يُشد إلى "ممبات لا تنضب ومعاشق لا يجف لها معين". - شكرا مسيو دافيد... أشكرك. - لا أريد أن أطيل عليك، سأتصل بك بعد أسبوع...





تعليقات