وطْءٌ على عتبات "مدرسة أثينا" ج.2/ مقال للناقد محمد خصيف / المغرب ,,,,,,,,
- 18 سبتمبر 2020
- 5 دقيقة قراءة
"ما تعنيه الصورة لا ينحصر بأي حال من الأحوال فيما تعرضه للإبصار".
"اللوحة عبارة عن فضاء دال يمكن وصفه وفقًا للأشكال التي تمثله". جان لويس شيفر Jean Louis Schefer
ونحن أمام لوحة "مدرسة أثينا" للفنان الإيطالي رفائيل، يمكننا أن نقف على ثلاث عتبات رئيسية تساعدنا على النفاذ إلى عوالم اللوحة، المتنوعة والمحيلة إلى منظومات فكرية مختلفة، فلسفة وعلوم وأدب وغيرها. عتبة زمانية تتناول السياقين التاريخي والفني/الجمالي، وعتبة مكانية: تحدد مكان تواجد اللوحة، وعتبة ذات مرجعيات جمالية/تشكيلية، وفلسفية وأدبية.
وقبل التطرق إلى العتبات الثلاث قراءة وتحليلا، نتناول العنوان كأول عتبة نصية، عادة ما تلازم الأعمال الفنية، لا تفارقها. لقد اختلفت آراء المؤرخين والنقاد حول تواجد العنوان (النصي) إلى جانب المتن (التشكيلي)، فمنهم المحبذ والمؤيد لوجوده، ومنهم من يراه عنصرا مشوشا قد يحيد بالمتلقي عن مقصدية المؤلف وخطابات العمل. إلا أن العنوان هنا "مدرسة أثينا" يرفع من قيمة المنجز الفني ويبعده عن محطات الوصف العادية والمبتذلة، ليعمق القراءة التأويلية للصور الحاضرة على فضاء اللوحة، إن تشكيليا/جماليا أو ثقافيا.
العنوان كعتبة أولى: مدرسة أثينا
بسبب قوة ألغازها التي تعرضت لتفسيرات وتأويلات مختلفة، منذ كتابات الناقد والمؤرخ جيورجيو فازاري (1511ـ1574) *، ولكونها تتناول كتيمة رئيسية التوفيق بين خفايا وأسرار المسيحية مع التيارات الفلسفية السابقة، أصبحت اللوحة الجدارية «مدرسة أثينا"، التي أنجزها الفنان رافائيل بمكتب البابا بالفاتيكان، تعد الأكثر غموضا، ومن منجزات عصر النهضة الإيطالية المثيرة للجدل. فالتفسير الشائع هو أن الصورة تصف وتميز الفلاسفة القدماء، كل حسب مميزاته الخاصة، وتحالفاته وتعارضاته.
إن أول لغز تطرحه اللوحة، يتعلق بعنوانها "مدرسة أثينا"، فهو كعنوان يبدو جذابا ومثيرا للفضول ولكثير من التساؤلات ومحفزا لنشاط ذهني، لكنه، كما ذكرت، يبقى في نظر بعض النقاد غير ملائم لمقصدية المنجز الفني، رغم أن اللوحة شملت شخصيات فلسفية أصلها أثيني/يوناني، ساهمت في إرساء قواعد مدارس الفكر والفلسفة على مدى قرون من الزمن.
يتكون العنوان من كلمتين: مدرسة وأثينا.
مدرسة:
حسب المعجم الوسيط، المَدْرَسَةَ مكانُ الدَّرس والتعليم، وأنها أيضا "جماعةٌ من الفلاسفة أَو المفكرين أَو الباحثين، تَعْتنق مذهبًا مُعيَّنًا، أو تقول برأُي مشترك". (ص. 280).
وفي الأصل اللاتيني أن Schola تعني "المدرسة" أو "المجموعة". لكن الكلمة في معناها الإتيمولوجي اليوناني (scholê) تعني أوقات الفراغ، خصوصًا التي تخصص لدراسة الإنسان الحر.
ومن المعروف أن المثقفين الإغريق القدامى كانوا يحبون قضاء أوقات فراغهم في النقاشات الفلسفية، حتى واءم تطبيق معنى كلمة skholế (توقف العمل) بشكل تدريجي على هذه النقاشات.
أثينا:
إن أول لغز نواجهه هنا هو أن رافائيل نفسه لم يسمِّ لوحته "مدرسة أثينا". وهذا يثير عدة تساؤلات، لم يتوصل الباحثون إلى جواب يشفي الغليل.
حسب مؤرخ الفن الفرنسي أندري شاستيل André Chastel (1912ـ1990)، المتخصص في فن عصر النهضة، أن العنوان الأصلي للوحة رفائيل هو: "الحقيقة العقلانية أو الطبيعية" Causaraum cognitio، الذي يمكن ترجمته أيضا، ب "التعرف على الأسباب" أو "معرفة الأسباب". وهكذا يستنتج من كلام المؤرخ الفرنسي أن رفائيل لم يكن هو نفسه من عنون اللوحة "مدرسة أثينا"، بل إن التسمية الحالية Scuola di Atene كما عرفت في اللغة الإيطالية أو School of Athens باللاتينية، تم إلصاقها باللوحة بعد مرور مائة سنة على وفاة رافائيل، ويرجح المؤرخون ورودها في دليل يرجع إلى القرن السابع عشر.
إن اسم أثينا مشتق كما تقول الأسطورة اليونانية من الكرمة الإلهية، التي تعني عبر العصور القديمة (شج-تن) شجرة التين (التينة)، التي لفظها الإغريق (أتينا)، ثم أصبحت بعد تعريبها من جديد (أثينا).
بعض المؤرخين يحيل اسم أثينا ويربطه بالوثنية والوثن، ارتباطا بما كان عليه سكان بلاد اليونان من معتقدات وثنية. وحينما نتطلع إلى الشخوص التي توزعت على كامل فضاء اللوحة نجدها شخصيات تاريخية، لها مكانتها الفكرية ولعبت أدوارا حاسمة في تاريخ الإنسانية. فمجموع الشخصيات يُكوِّن بحق مدرسة تشمل أساتذة وتلاميذ، في الفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية والفلك والأدب...سقراط وتلميذه أفلاطون، وأفلاطون وتلميذه أرسطو...ف"مدرسة أثينا"، مدرسة جمعت في فضاء واحد، حبك نسيجه الفنان رفائيل، بين شخصيات متقاربة فيما بينها فكريا، شكلت حقبا متتالية من العقل البشري الخلاق: العصر القديم الإغريقي والعصر الهيلينستي والعصر الوسيط ثم عصر النهضة.
عتبة ثانية، السياق الزمني:
أول موطئ نلج منه عالم الرسام العبقري رفائيل ولوحة "مدرسة أثينا"، موضوع دراستنا، يتجلى في نوع من السفر عبر الزمن لنستجلي بعض خصوصيات الفترة التي عاش فيها رفائيل وأقرانه/منافسوه في الخلق الفني والإبداع الجمالي، عصر النهضة الإيطالية.
شهدت تلك الفترة إشعاعا ثقافيا وفكريا وفنيا وعلميا، ذاع صيته في كل بلدان أوروبا تقريبا، وامتدت أصداؤه حتى خارج القارة العجوز‘مخترقة بعدي الزمان والمكان، ومازالت رياحها تُعَبِّقُ فضاءاتنا وأوراشنا إلى اليوم. لقد كان بحق تغيرا شاملا امتد لأكثر من قرن (من نهاية القرن الرابع عشر، والمعروفة باسم تريسينتو Trecento، حتى بداية القرن السادس عشر، والمعروفة باسم سينكيسينتو Cinquecento).
ما يهمنا في هذا البحث المتواضع هي الفترة الأخيرة، القرن السادس عشر أو Cinquecento، أو عصر النهضة العالي Haute Renaissance. فمن المفارقات أن في ذلك العصر كانت إيطاليا، مهد النهضة، منقسمة بشكل مثير إلى دويلات متنافسة، ومتناحرة، بعضها يخضع لهيمنة أجنبية. ورغم ذلك، في ظل تلك القلاقل، وصل الفن الإيطالي إلى ذروته. فلا يمكن أن نتحدث عن عصر النهضة العليا دون ذكر فن روما الباباوية وفلورنسا وجمهورية البندقية، وهنا يبرز الأعلام العباقرة خصوصا منهم: دوناتو برامانتي Donato Bramante (1444-1514) وليوناردو دا فينشي Leonardo da Vinci (1452-1519) وميشيل أنجلو Michelangelo (1475-1564) ورافائيلو سانزيو داإربينو Raffaello Sanzio da Urbino (1483-1520).
خلال تلك الفترة، كان الباباوات كليمنت السابع ويوليوس الثاني وليون العاشر من عائلة آل ميديشي Médicis الحاكمة، هم رعاة الفن بلا منازع. وتحت سماء بلاطهم، قام ليوناردو دافنشي بتنفيذ عدد من المشاريع الفنية خدمة لمجدهم. فتألق نجمه تحت رعايتهم. إلا أنه غادر المدينة في العام 1482 لعدم رضاه عن الاستمرار في خدمة العائلة الحاكمة والخنوع لرغباتها.
عند عودته في العام 1500 كانت المدينة لا تزال جمهورية. لكن النظام لم يدم طويلا. فإيديولوجية الأفلاطونية الجديدة جرفها المفهوم الماكيافيلي، (نسبة إلى نيكولو ماكيافيلي**)، للدولة الحديثة.
وتحت رعاية آل ميديشي، أنجز مايكل أنجلو ما بين 1501 و1594، تحفته الرائعة، منحوتة "David".
مع مايكل أنجلو ورافائيل تغيرت الرؤية الفنية التي كانت سائدة في فلورانسا. فرافائيل الذي مكث في فلورانسا أربع سنوات، ترك أعمالا تعد مساهمة قيِّمة في بناء تصور جديد لفن النهضة الإيطالية، تتجسد بالأساس في البحث عن الكمال التقني والشكل المثالي. إن دمج هذا المفهوم الجديد للفن، مع الإرث الدرامي الذي خلفه مايكل أنجلو، بجانب حساسية ليوناردو المرهفة، هو الذي أعطى الأسلوب التأنقي Manierismo الذي ساد فنون أوروبا خلال الفترة ما بين 1520 و1580.
هوامش:
* جورجو فازاري (Giorgio Vasari) أريتسو، 30 يوليو 1511 - فلورنسا، 27 يونيو 1574، رسام إيطالي ومهندس معماري معروف بكتاباته الشهيرة لسيرة الفنانين الإيطاليين.
(...) في 1529 زار روما ودرس أعمال رافائيل وغيرهم الرومانية العالية النهضة. لوحاته الخاصة أثارت كثير من الاعجاب في حياته من بعد ذلك. كان دائما يعمل عند آل ميديشي وأكبر العائلات في فلورنسا وروما، وعمل في نابولي، اريتسو وأماكن أخرى(...) بعض رسوم جورجو فازاري لا بأس به، ويدخل في مرتبة ما يمكن تسميته القسم الثاني من اللوحات الإيطالية في القرن السادس عشر. إلا أنه يُثبت اهميته بصورة أفضل بكونه أول رجل كتب بجدية سيراً مفصلة لفنانّي عصر النهضة. وفي سنة 1550 م وضع جورجو فازاري كتابه الشهير (حياة الفنانين) كما سمِّى اختصاراً، وقد تضمّن سير كل فنان إيطالي رئيسي تقريباً من تشيمابو إلى مايكل أنجلو، مع نقد لأعمالهم الفنية. (ويكيبيديا)
** نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي Niccolo di Bernardo dei Machiavelli (1469ـ1527) ، ولد وتوفي في فلورنسا، كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة. أصبح مكيافيلي الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي. أشهر كتبه على الإطلاق، كتاب الأمير، والذي كان عملاً هدف مكيافيلي منه أن يكتب نصائح لـلحاكم ، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ماهو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية. ولقد فُصلت نظريات مكيافيلي في القرن العشرين. (ويكيبيديا)
مراجع:
• المعجم الوسيط-مجمع اللغة العربية بالقاهرة-صدر: 1379هـ/1960م
• د. سعيد علوش ـ معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ط. 1، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1985.
• عبد الحق بلعابد ـ عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص)، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط.1، 2008
• كلايف بل ـ الفن، ترجمة د. عادل مصطفى، روية للنشر والتوزيع 2013
• Erwin Panofsky – L’œuvre d’art et ses significations, Essais sur les arts visuels, Tr. Marthe et Bernard Teyssèdre, nrf, Ed. Gallimard 1969
• A. CHASTEL, Art et humanisme à Florence, PUF 1959,
• Giorgio Vasari – La vie des peintres et éminenes sculpteurs et architectes, Vol. 04, Filippino Lippi à Domenico Puligo. Trd. Gaston du C. de Vere, Mars 2009
•





تعليقات